تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يروى أن عالِماً جليل كان له تلميذ ، وهذا التلميذ له عبد ، هذا العبد عندما رأى سيِّده يحترم شيخه احتراماً لا حدود له فرجاه أن يعطي إشارةً لتلميذه أن يُعْتِقه ، فقال له الشيخ : " إن شاء الله أفعل هذا " ، مضى شهر ، وشهران ، وثلاث أشهر ولا توجد هناك أي حركة ، من شدَّة ما رأى محبّة هذا التلميذ لشيخه ، اعتقد العبد أن الشيخ لو أعطاه إشارة أن أعتق هذا العبد يعتقه على الفور ، والشيخ وعده لكن لم يحصل شيء ، ثم زاره مرَّةً ثانية وذكَّره فقال له الشيخ : " إن شاء الله أفعل هذا " ، ولم يحدث شيء خلال أشهر ، ثم زاره مرَّةً ثالثة ، وقد مضى على طلبه سنة ، فقال له : " أفعل هذا إن شاء الله " ، بعد أيَّام استدعاه سيِده وأعتقه تنفيذاً لتوجيه شيخه ، فلمَّا التقى العبد بالشيخ قال له : " يا سيدي كلمةٌ منك تدعو سيدي إلى إعتاقي فلماذا تأخَّرت كل هذه المدَّة ؟" قال له : " يا بني حمَّلتنا فوق ما نطيق ، لقد وفَّرت من مصروف البيت مالاً أعتقت به عبداً ، ثم أمرت سيدك أن يعتقك " ، أي أنا ما أمرته أن يعتقك إلا بعد أن كنت قدوةًُ له . فلو أن الدعاة لا يتكلَّمون كلمة واحدة إلا وقد طبَّقوها لكنَّا في حالٍ آخر غير هذا الحال .

قلت لكم في الدرس الماضي قوله تعالى :الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ لا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)

) سورة الأحزاب (

أي أن هذا الذي يبلِّغُ رسالات الله ينبغي أن يخشى الله وحده ، فإذا خشي غير الله ، فسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه ، ونطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه ، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته ، لذلك الصفة الجامعة المانعة في مَنْ يدعو إلى الله عزَّ وجل " ألا تأخذه في الله لومة لائم " ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤١٨