صار هناك هبوط ، يجب أن يسعى ويكد لتحصيل الطعام ، بعد أن كان مبذولاً بأعداد لا تنتهي ، بإمكانك أن تأكل مليون تفَّاحة ، مليار، كلَّما توجَّهت أشعَّةٌ من نفسك إلى هذه التفَّاحة أخذت كل ما فيها من طعمٍ طيّب ، دون أن تدخلها إلى جوفك فتتعبك ، أما في الدنيا يوجد طريق ثاني ، لابدَّ من أن تأكلها ، فإذا أكلتها أصبحت عبئاً عليك ، الذي يؤثر الطعام الطيّب يحتاج إلى جهود جبَّارة كي يُخَفِّض وزنه ، فالدنيا متعبة ، كل شيء يحتاج إلى سعي وإلى كد ، فكسب المال صعب ، إن كسبه حراماً سقط من عين الله ، وإن اراد أن يكسبه حلالاً بذل جهداً كبيراً جداً ، فهبط المستوى كان للإكرام صار للعمل والسعي والكد ، كان لهم ما يشاءون صار ليس لهم إلا ما يفعلون ، كان في إكرام صار في جهد ، كان في مسامحة صار في محاسبة ، أي أن الوضع في الدنيا اختلف اختلافاً كبيراً ، لذلك المؤمن حينما يأتيه ملك الموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِم إلى سعة الدنيا .
على كلٍ الحالة التي كان بها آدم حالة مريحة جداً ، مثالية جداً ، ما ليس فيها نصب ، ولا تعب ، ولا خوف ، ولا قلق ، ولا مرض ، ولا هم ، ولا حَزَن ، ولا زوجة دون الوسط تزعج زوجها ، لا يوجد قلق مخيف من مرض ، من آلام ، من أمراض وبيلة ، عُضالة ، لا يوجد فقر ، ولا سجن ، لا يوجد شيء مزعج إطلاقاً ؛ أما في الدنيا صار هناك مسؤوليَّة ، صار هناك كسب للمال ، صار هناك جوع ، والجوع وراء كل عمل الإنسان ، إنه مفتقرٌ إلى الطعام كي يستمر وجوده ، وتحصيل الطعام مفتقر إلى عملٍ يكسب به ثمن الطعام ، لذلك الأنبياء قال الله عنهم :
( سورة الفرقان : الآية " 20 " )
أي أنهم مفتقرون مرَّتين ؛ مرَّةً إلى تناول الطعام لبقاء وجودهم ، ومرَّةً إلى كسب المال لشراء الطعام ، هذا معنى :
على كلٍ الإنسان حينما يأتيه هدىً من الله عزَّ وجل ويتِّبع هذا الهدى ..