المعنى الثالث هو : أن الإنسان له الكسب فقط ، بينما الفعل من الله عزَّ وجل ، أنت حينما تريد أن تفعل خيراً يقوِّيك يقويك الله عزَّ وجل ، لذلك كلنا فقراء إلى الله ، كلنا ضعاف ، ولكن نتمايز عند الله بأعمالنا التي مَكَّننا الله منها بحسب صدقنا مع الله ، فأنت إنسان عاديٌّ ، ولكن لو صدقت مع الله في خدمة الخلق لأعطاك إمكانيات عالية جداً لا تحلم بها من قبل ، فأنت لك الكسب، سماه العلماء : الانبعاث ، أنت أردت أن تصلي ، فأعانك الله على الصلاة ، أردت أن تربي أولادك ، فأعانك الله على تربيتهم ، أردت أن تدعو إلى الله ، فأعانك الله على الدعوة إلى الله، الفعل من الله ومنك الكسب فقط ، لك ما كسبت .
إنسان أراد أن يسرق هنا اكتسب السرقة ، أي أنه أراد فقط ، الآن يسيَّر إلى إنسان تُعَدُّ السرقة بحقه حكمةً ، أنت تختار أن تسرق ، وليس مسموحاً لك أن تختار مِمَّن تسرق ، ممَّن ؟ الله عزَّ وجل مسير ؛ يسوق هذا السارق إلى مَن يؤدِّبه الله بفقد ماله ، إذاً لك الكسب فقط ، وعلى الله الفعل ، فالفعل فعل الله ، والكسب كسب الإنسان .
لذلك ، إذا عُزِيَ الفعل إليك في الحقيقة يعزى سببه ، وهو الكسب ، وإذا عزي الفعل إلى الله في الحقيقة يعزى فعله ، والكسب منك ، تماماً كما لو قال إنسان : المعلم الفلاني رسَّب الطالب ، عزونا فعل الترسيب إلى المعلِّم ، لأنه هو الذي وقَّع ، أما سبب الترسيب فهو كسل الطالب ، إذا قلنا : فلان رسب ، صحَّ كذلك ، ذكرنا سبب الرسوب ، السبب من الطالب ، وتنفيذ الفعل من المعلم ، فالإنسان له الكسب فقط ، وعلى الله الباقي ، هذا الكلام دقيق جداً ، معنى ذلك أن كل واحد منا بإمكانه إذا صدق مع الله أن يفعل فعلاً عظيماً ، قد يكون فوق طاقته ، وفوق إمكاناته الفكرية والعقلية لأنه طلب طلبًا كبيرًا ، وكسبه كبير ، لذلك مَن هو البخيل والجبان ؟ هو الذي بخل على نفسه بعملٍ صالح ، لأن الله يخلق العمل الصالح .