بالمناسبة ، أية شهوة أودعها الله فينا يمكن أن نرقى بها مرَّتين : مرةً شاكرين ، ومرةً صابرين ، فإذا تعففت عن مالٍ حرام ترقى إلى الله صابراً ، وإذا أقبلت على مالٍ حلال ترقى إلى الله شاكراً ، فكأن هذه الشهوات سُلَّمٌ نرقى به ، أو دركاتٌ نهوي بها ، فالعمل أساسي في حياة الإنسان ؛ من خلاله نبتلى ، تكتشف كمالنا ، أو تكتشف نقائصنا .
وبعد ، فإن العمل يملأ فراغ الإنسان ، العمل يحقق وجوده ، العمل يجعله مُتَأَلِّقاً ، لأن له هدفاً بالحياة اسمه تأكيد الذات ، أما حينما يقبع في بيته، ويضع أمواله في المصارف الربوية ، ويتقاضى عليها أرباحاً طائلةً يعيش في بحبوحة دون أن يخشى كساداً ، أو أن يخشى جفافاً ، لكن المزارع يزرع ويقول : يا رب أغثنا ، والتاجر يشتري البضاعة ويقول: يا رب اجبرها، أما المرابي فربحه ثابت ، ليس له علاقة لا بالمطر ولا بالأسواق ، فالمرابي لأنه رفض أن يعمل ، وأراد للمال أن يلد المال فقد بَعُد عن الله عزَّ وجل ، وحينما الإنسان يسلك طريق الربا ما الذي يحصل ؟
الربا أولاً يرفع الأسعار ، ونحن أمام شيء دقيق جداً ، في علم بالهندسة شكل اسمه ( الموشور ) ، فهو اسطوانة متناقصة إلى أن تصل إلى نقطة ، هذا الموشور ، وكأنه حلقات متناقصة ، الآن ، عمود هذا الموشور ، الخط المتعامد مع قاعدته يمثِّل الأسعار ، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة ، مثلاً ، فاكهة بالسوق لو كان ثمن الكيلو مائة ليرة ، كم إنساناً من مليون إنسان يشتري هذه الفاكهة ؟ قد يشتريها عشرة آلاف من مليون ، لو كان الكيلو بخمسين صار المشترون خمسين ألفًا ، ولو كان بخمسة وعشرين صار المشترون مائتي ألف، فكلما ارتفع السعر صغرت الشريحة، فقد تجد في حالات التضخم النقدي الحاجات متوافرة في الأسواق ، ولكن لا أحد يملك ثمنها ، الحاجات كثيرة لكن أسعارها فوق طاقة المستهلك ، وهذه حالة خطيرة جداً ، لأن الإنسان لا يملك ثمن حاجاته .