تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاً : إنّ الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة ، وقد أعطى اللهُ الإنسانَ مقوِّماتِ الأمانة ، ومن أهم هذه المقومات حريّة الاختيار ، فما دام الإنسان حراً في اختياره فلا يمكن أن يكون ثمّةَ إكراهٌ في الدين ، لا يمكن أن يكون إكراهٌ في الدين ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، مستحيل أن يُجبر الله عباده على الدين ، لو أجبرهم لما سعدوا به ، لأن الله عزَّ وجل بنى هذا الدين على المَحْبوبيَّة ، الله عزَّ وجل لا يريدك أن تؤمن قسراً ، ولا إكراهاً ، ولا إرغاماً ، يريدك أن تؤمن طَوْعاً ، حُباً، شَوقاً ، بمبادرةٍ منك ، بإقبالٍ منك على الله ، لذلك الإكراه في الدين يتنافى مع سعادة الإنسان ، خلقك ليسعدك ، وإنَّك لن تَسعد إذا كنت ديِّناً مكرهاً ، لن تسعد بدينٍ قسري ، إنك تسعد إلا بعملٍ طوعي .

لو أمسك شخصٌ حاجة ثمينة بيده ، وجاء إنسان معه مسدس ، وقال له : أعطني هذه الحاجة وإلا قتلتك ، فأعطاه إياها ، هذا الذي أعطى هذه الحاجة هل يشعر أنه قدَّم هديةً ؟ على أنه عمِلَ صالحاً ؟! إنّه مقهور يمتلئ غيظاً ، أما لو جئت إلى إنسان وقدَّمت له هديةً ، فكلما التقيت به تألق وجهك ، لأنك فعلتَ معه معروفاً ، فحينما تجبَر على العمل سقطت قيمة العمل ، وسقطت قيمة العمل ، وحينما تفعل هذا العمل اختياراً ، وطواعيةً ، عظمت قيمة العمل ، فالاختيار يثمِّن للعمل ، فالإكراه في الدين ُينهي الدين ، الإكراه في الدين يلغي ثمار الدين ، الإكراه في الدين يلغي السعادة النابعة من الدين .

لذلك شاءت حكمة الله أن يكون هذا الدين في بداياته ضعيفاً ، فماذا يفعل النبي ؟ ليس عنده دنيا يُغري بها ، وليس عنده قوة يُخيف بها ، ومع ذلك يؤمن به أصحاب النبي إيماناً طوعياً عن رغبةٍ وحُبٍّ ، هذا الإيمان صحيح ورائع ، لأنه جاء بمبادرة شخصية ، وجاء باختيارٍ طيب ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٤٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٤٢٩