أما المنحى الثالث الذي أركز عليه في هذا الدرس في قوله تعالى :
هو أن الله يعلم هو عالم الغيب والشهادة ، أي أن كل شيء في الكون يعلم الله حركاته وسكناته ، لماذا ؟ لأن الله يحركه ، حينما يأتي إنسان ويمسك هذا الكأس ، وينقله من هذا المكان إلى هذا المكان ، وأنت تراه ، أنت كيف تعلم أن هذا الكأس تحرك ؟ لأنك رأيته قد تحرَّك ، أما إذا أمسكته بيدك وحرَّكته ، هذا علمٌ أبلغ ، إنّ كل فعل لا يكون إلا من قبل الله تعالى ، إذاً الله عز وجل هو الفعَّال ، وهو العليم ، يعلم ما يفعل ، إذاً هو عالم الشهادة ، وكل شيءٍ أمامك يعلمه الله علماً مطلقاً، وبأدق أدق التفاصيل .
أنت لك من الإنسان ظاهرُه ، لكن الذي يعلم باطنه ، وتاريخه ، وصراعاته ، ومنبته ، ومشربه ، ومطعمه ، وأخلاقه ، وعلاقاته ، هو الله عز وجل ، فهو يعلم ما تعلن ويعلم ما تُسر ، ويعلم ما خفي عنك ، يعلم ما تعلن ، فإذا لم تعلن ، يعلم ما تسر ، وهناك علمٌ لا تعلمه أنت واللهُ يعلمه ، "وعلم ما لم يكن ، لو كان كيف كان يكون " هذا منحىً ثالثٌ في علم الله عز وجل ، لا تخفى عليه خافية ، فإن تكلمتَ فهو سميع ، وإن تحركت فهو بصير ، وإن سكت وجمدت في مكانك فهو عليم بما يجري في داخلك ، سميع بصير عليم .
وهو معكم أينما كنتم بعلمه ، أينما ذهبتم ، يعلم كل حركاتك ، وسكناتك ، يعلم خواطرك ، يعلم خائنة الأعين ، فإنسان مثلاً جالس في بيته ، أمامه شرفة ، خرجت امرأة الجيران ، إن نظر أو غض بصره ليس في الأرض كلها إنسان يضبطه ، هو جالسٌ في غرفته ، والنافذة مفتوحة ، وهو في الظلام ، والنافذة تحت أشعة الشمس ، إن نظر أو لم ينظر ، مَن الذي يعلم خائنة عينه ؟ الله جل جلاله ، هذا منحى ثالث في علم الله ، أي هو مع كل الخلق بالعلم ، يسمع دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء .