( سورة الرحمن )
فإذا قلنا : فلان حي ، فحياته ليست كحياة الله عزَّ وجل ، وكلمة "حي" تسبق في الذهن أيَّ اسمٍ آخر ، فهو حيّ عليم ، وهو حيّ قدير ، وأول اسمٍ يسبق إلى الذهن أنه حيّ ، هو حيّ ومصدر حياة الخلق ، وحياتنا منه ، واستمرار حياتنا منه ، فالوردة فيها حياة ، فإذا صنع إنسانٌ وردةً من مواد صناعية لا يوجد فيها حياة ، ويضعون في بعض الواجهات شكلَ امرأة لبيع الثياب والألبسة ، ولكن هذه بلا حياة ، فهي من الشمع ، والمرأة الحقيقية فيها حياة ؛ تتكلم، وتفكِّر ، وتتألَّم ، وتفرح ، وتعبّر عن ذاتها ، فالإنسان فيه حياة ، والوردة فيها حياة .
وهذه البقرة تأكل الكلأ ، فتعطيك الحليب ، وليس ثَمَّةَ جهةٌ في الأرض بإمكانها أن تصنع من الكلأ حليباً ، وهذه الدجاجة تأكل ما تحت بصرها ، فأيّ شيء تأكلْه تعطِك منه بيضةً ، وهذه فيها حياة ، فالله عزَّ وجل هو حي ، حياته لم يسبقها عدم ، فهو قديم وأبدي ، ولا تنتهي حياتُه بعدم ، ثم إن الله عزَّ وجل مصدرُ حياةِ المخلوقاتِ ، مَن منحك الحياة ؟ اللهُ عزَّ وجل ، فإذا دخل الإنسانُ البيتَ ملأه راحةً ، وفرحاً ، وبهجةً ، وسروراً ، والأولاد استقبلوه بالترحاب، وجلسوا في أحضانه ، وقبَّلوه ، ونادوه بأحب أسمائه إليهم ، فإذا مات هذا الأب لا يجرؤ واحدٌ من أولاده أن يدخل إلى غرفته مدةَ شهرٍ أو شهرين أو ثلاثة ، فما الذي حدث ؟ هو هو ، ولكن سُحبت منه الحياة .
والإنسان مصدر أُنْسٍ ، وسعادة لأولاده ، فإذا مات أصبحتْ غرفته التي استلقى فيها على السرير ومات مخيفةً ، وأنا متأكد أن بعض الأسر يبقى الأولاد شهراً أو شهرين يتحاشون دخول هذه الغرفة لأن أباهم مات فيها ، فما الذي حدث ؟ وما هي الحياة ؟ .
هذا كبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة ، فإذا مات الإنسان أصبح قطعةً من اللحم لا معنى لها إطلاقاً .