وهذه عين ترى كل شيء بالألوان الدقيقة ، والأحجام الحقيقية ، فالعين آية من آيات الله الدالة على عظمته ، فإذا مات الإنسان أصبحتْ العين لا قيمة لها ، وتلقى في المهملات .
لقد مُنِحْنَا الحياةَ ، ومُنِحَ النباتُ الحياةَ ، فشجرة تجدها كالحطب ، ففي الربيع تزهر وتورق وتثمر بصمت ، فما هذه الحياة ؟ وحتى هذا التاريخ لا تزال الحياةُ سرًّا ، والله عزَّ وجل حي ومنح الحياة ، فتجد وردة جميلة قد نمت على كوم قمامة ، أي روث الحيوانات ، وهي وردة حمراء جميلة ، فمن منحها هذا الجمال وهذا الشكل وهذه الرائحة وهذه الحياة ؟ حياة الحيوانات ، وحياة النباتات ، وحياة الأطيار .
وهنا الطير ، تجد طائرًا ولد لتوِّه وقد عصبت عيناه ونقل إلى الهند ، فإنه يطير ويعود إلى بريطانيا وقد وُلِد الآن ، فكيف تمَّ هذا ؟! طائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر في رحلةٍ من شمال الأرض إلى جنوبها ، فكيف يعود إلى عشه ؟ طيور تجدها في الشام ، تهاجر في الشتاء إلى جنوب إفريقيا ، وفي العودة لو انحرفت درجة واحدة لدخلتْ مصر ، فكيف تعود إلى دمشق ؟ وإلى حي الصالحية ؟ وإلى حي الشيخ محي الدين ؟ وإلى بيتٍ من بيوت عشها الذي تركته ؟ من يسيِّرها ؟ الله جل جلاله ، هذه هي الحياة .
سمك السلمون يولد في أعالي الأنهار في أمريكا ، ويهاجر إلى المحيط الأطلسي إلى شواطئ أوروبا ، ويعود هذا السمك إلى مسقط رأسه ليموت هناك ، فهذه الرحلة ؛ من ساحل فرنسا إلى الغرب ، لو انحرف درجة واحدة لكان في جنوب أمريكا بل صار في شمالها ، إلى النهر الذي خرج منه ، وهناك أسماك بمنابع النيل تسير برحلة طويلة جداً ، وتسير في أطول نهرٍ من أنهار العالم ، نهر (النيل) ، إلى البحر المتوسط ، وتتجه غرباً إلى أن ينتهي البحر المتوسط ، وتخرج من مضيق جبل طارق نحو الشمال إلى بحر المَانش ، ثم إلى بحر الشمال، ثم تعود ، فرُبَّانٌ يحمل شهادة الدكتوراه بالملاحة يضيع بدون بوصَلَة ، فهذه الحياة .