تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طبعاً هذه قصة للتنَدُّر ، أما أن يؤخذ منها حكمٌ شرعي ! الحكم الشرعي نأخذه من موقف رسول الله عليه الصلاة والسلام ، الحكم الشرعي نأخذه من الكِتاب والسُنَّة ، هذا هو الحق ، فالنبي مشرِّعٌ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، كان يُسأل بغلظة ـ أعطني من هذا المال يا محمد ، فهو ليس مالَك ولا مال أبيك ـ وكان بإمكان النبي أن يلغي وجود هذا السائل الفظ ، ولكنه قال : "صدق إنه مال الله " .

المؤمن متواضع لمن يسأله ، مهما بدا لك السؤال سخيفاً ، تواضع لمن تتعلَّم منه ، وتواضع لمن تعلِّم ، فهذا التعليق على كلمة :

أنت حينما تسأل تستعير خبرة المسؤول ، وقد تزيد عن خمسين سنة ، خبرات متراكمة خلال عمر طويل ، تأخذها مجَّاناً بسؤال مؤدَّب ، اسأل ما بدا لك ..

أيها الإخوة الكرام ... حينما يصحُّ الإيمان ويتحرَّك الإنسان ، إذ لا يوجد إنسان مؤمن سكوني ، وحينما ينعقد الإيمان في قلب المؤمن ، أو حينما تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن ، تعبِّر عن ذاتها بحركة نحو الخَلْق ، ماذا أفعل ؟ وماذا أُنْفق ؟ وماذا أقول ؟ ومع مَن أجلس ؟ ومَن أصاحب ؟ وكيف أمضي وقتي في البيت ؟ الصادق يسأل ، أنت إنسان محدود الإقامة في الدنيا ، وخُلقت لجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، وحُمِّلْتَ أمانة التَكْليف ، فوقتك ثمين جداً ، إنه وعاء عملك ، فكل شيء تفعله محاسبٌ عليه ، وكل شيءٍ مسجلٌ عليك ، وإنك تحت المُراقبة ..

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)

( سورة النساء )

فحينما تستقرُّ حقيقة الإيمان ، وهي أن الله خلق الكون ، وخلق الإنسان ليجعله في أعلى مقامٍ في الجنة ، وإن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، وإنها دار تكليف لا دار تشريف ، ودار عمل لا دار جزاء ، فحينما توقن ؛ تؤمن بالله ، وتؤمن بسرِّ وجودك ، وغاية وجودك ، وتؤمن بمنهج ربك ، وتسأل إذاً .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٢٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٢٣٠