لكن التكليف يتوافق مع الفطرة ، فأنت حينما تصلي الفجر في وقته ثم تنام ، وتستيقظ مرتاحاً إلى أقصى حدود الراحة ، لأنك كنت عبداً طائعاً لله عز وجل ، تنام بعد صلاة الفجر نوماً هنيئاً ، وحينما تغض بصرك عن محارم الله وقد منعت نفسك من أن تملأ عينيك من محاسن امرأة لا تحل لك ، وتشعر أن الله يحبك ، وأنك في ظل الله ، وحينما تنفق المال الذي أنت في أمس الحاجة إليه تشعر أنك آثرت رضاء الله على حظوظ نفسك ، فترقى ، وحينما تضبط لسانك ، وتسكت ، مع أنك تتمنى أن تتكلم ، وتشعر أن الله يحبك ، فشتان بين أن تأخذ لذةً عابرةً منقطعةً تعقبها كآبة، وبين أن تسعد بقرب الله عز وجل ، لأنك كنت عبداً مطيعاً ، إذاً معنا تكليف ، ولنا جسم ، وفي ثنايا هذا الجسم نفس ، والنفس متوافقة مع التكليف ، والدليل : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " .
( سورة الروم : 30 ) .
فكل خصائص النفس متوافقة مع التكليف ، وحينما تصدق ، وحينما تكون أميناً ، وتعتز بالله ، وتوحده ، وتنصف وتقف موقفاً عادلاً ، وترحم الآخرين ، وتكون أباً كاملاً تشعر بسعادة لا توصف ، لأن طبيعة النفس متوافقة تماماً مع خصائص هذا الدين ، والذي أنزل هذا الكتاب هو الذي جبل هذه النفس ، ولذلك يضيع الإنسان ، ويشقى ، ويتمزق ، وتنشأ عنده صراعات إلى أن يصل إلى الله ، فإذا وصل إليه كان أسعد الناس ، وإذا وصل إليه سكنت نفسه ، واطمأن قلبه وصحت رؤيته ، وسدد الله كلامه ، ووفقه في الدنيا وفي الآخرة .
" أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " .
( سورة السجد : 18) .
" أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، ما لكم كيف تحكمون " .
( سورة القلم : 36) .
" أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين " .
( سورة القصص : 61) .