تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الإخوة الكرام : محور هذه الآية موضوع الاختلاف بين البشر ، الواقع أن هناك اختلافات بين البشر لا تعد ولا تحصى ، والناس اليوم مذاهب ، واتجاهات وشيع ، وملل ، ونحل ، وأعراق ، وأقوام ، وقبائل ، وعشائر ، فما سبب هذا الاختلاف بين الناس ؟ ومتى يكون الاختلاف طبيعياً ؟ ومتى يكون عدوانياً ؟ ومتى يكون محموداً ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة في هذه الآية ، وتمهيدًا لهذه الآية لابد من التنويه بأن الله جل جلاله جبل الناس جبلةً واحدة ، وهذه الجبلة تعني أن طبعهم وهو أقرب إلى الجسد متناقض مع التكليف ، وكلمة تكليف تعني أنه ذو كلفة ، أيْ يحتاج إلى جهد ، طبعاً الدراسة أصعب من عدم الدراسة ، وأن تؤسس عملاً أصعب بكثير من أن تبقى بلا عمل ، وكلمة تكليف تعني شيئًا يحتاج إلى جهد ، وحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله عز وجل كان التكليف متناقضاً مع الطبع ، والطبع أقرب إلى الجسم ، والتكليف متوافق مع الفطرة ، والفطرة أقرب إلى النفس ، فلك جسم ، ولك نفس ، ومعك تكليف ، وهذا التكليف يتناقض مع خصائص الجسم ، مثلا؛ التكليف يأمرك أن تصلي الفجر في وقته ، والإنسان في الشتاء غارق في نوم عميق ، وعلى فراش وثير ، وتحت لحاف دافئ ، فهذا التكليف أن تصلي الفجر في وقته يتناقض مع حاجة الجسم إلى الاستمرار في النوم ، والتكليف يأمرك أن تغض البصر عن امرأة حسناء ، والطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسنها ، والتكليف يأمرك أن تنفق المال ، وقد حبب المال إليك ، والطبع يقتضي أن تأخذ المال لا أن تنفقه ، بل أن تجمعه ، والتكليف يأمرك أن تكف عن الخوض في قصص الآخرين ، وفي فضائحهم ، وفي سقطاتهم ، أما الطبع فيقتضي أن تستمع ، وأن تتابع قصص الآخرين ، وأن تكشف أسرار ما في البيوت ، فالتكليف إذن يتناقض مع الطبع ، ولأنه يتناقض مع الطبع كان ثمنه الجنة .

" وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى " .

( سورة النازعات : 41) .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٢٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٢٠٧