فنحن إن صحَّت عقيدتنا صح سلوكنا ، وصرنا نتحرك على منظومة قيَم ، فهذا معنى بيع النفس ، أي باع وقته لله ، لا يوجد عنده كلمة ( أنا مشغول ، لا يوجد لدي وقت ) ، تجد الشخص يسترخي ساعات طويلة ، يجلس جلسة فيها كلام فارغ ، وقد يلتقي لقاء فيه معاص كثيرة ، قد يغتاب المسلمين ، أما إذا دُعي إلى حضور درس علم يقول : والله إنّني مشغول فاعذرني ، درس علم ساعة لا يقبل ، أما أربع أو خمس ساعات في مجلس غيبة ، ونميمة ، واختلاط يقبله ، لأن هدفه واضح ، فهدفه الدنيا والمُتعة ، أما درس علم لا يوجد فيه شيء ، فهو ناشف بالنسبة له ، بل يريد جلسة أخرى فيها شيء من المتعة الرخيصة .
فنحن نريد أن نؤكِّد في هذه الآية أنك إذا عرفت سر وجودك ، وغاية وجودك قيَّمت كل ما حولك ، وكل من حولك ؛ قيمت الأموال ، والأصدقاء ، والبيوت ، قد ترفض بيتاً لا يناسب مكانتك الدينية، قد ترفض عملاً لا يناسب اتجاهك الديني ، أو امرأةً تتزوجها إلا أن تكون طائعةً لله عزَّ وجل ، فأنت عندما تؤمن بالله ، وتعمل للآخرة ، صار عندك منهج واضح ، وخطة واضحة ، وهذا معنى قوله تعالى :
بالمناسبة : في أعمال جيّدة ولكن ليست ابتغاء مرضاة الله ، فأهم شيء في العمل أن يكون وفق سنة رسول الله ، وأن يكون خالصاً لله.
لخَّص هذا الإمام الفُضَيْل بن عياض فقال : " العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً وصواباً " . خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ، وأن أعمل صالحاً ترضاه .
إذاً من أجل ماذا يتعلم الإنسان الفقه ؟ من أجل أن يعبد الله بما تعلَّم ، بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ، فأنت تتعلم الفقه كي تقف عند حدود الله ، وألا تتعدَّى عليها .
طبعاً هذه ( مِن) للتبعيض ، ما كل الناس كذلك ، لكن بعضهم ، هؤلاء السابقون السابقون ، هؤلاء المتفوقون ، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله ..