فالله عز وجل حجب باطنك عن الخلق ، وأبقى لهم الظاهر ، وأنا أحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، إخلاصك لا يعرفه إلا الله ، ونياتك الطيبة لا يعرفها إلا الله ، وهناك أمثلة دقيقة جداً : يوجد عندك ألف دنم أرض بمنطقة غير منظَّمة ، وجئت ، وتبرَّعت بألف متر من هذه الأرض لبناء مسجد ، وفي نيَّتك أنه حينما تتبرع بهذه المساحة تنظَّم الأرض ، فإذا نُظّمت ارتفع سعرها أربعة أضعاف ، يقال لك : ما شاء الله ، جزاه الله خيرًا ؛ عمَّر جامعًا ، أنت لك الظاهر ، وقد ينوي هو أن يرفع ثمن أرضه فقط ، ولا علاقة له بالدين إطلاقاً ، فمَنْ يكشف هذه الحقيقة ؟ ربنا عز وجل : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)
( سورة الحاقة )
وأنت حينما تعلم أن الله يعلم كل شيء ، هذا أكبر دافع للإخلاص، وأكبر دافع لتطهير الباطن ، وأكبر دافع لسلامة النيَّة ، فالله عز وجل رحمنا حين أعلمنا أنه يعلم ، ورحمنا حين حجب باطنَنا عن الخلق ، ستراً لنا ، فباطننا مستور ، وظاهرنا مكشوف ، ولكننا مكشوفون عند الله ظاهراً وباطناً ..
أيْ بَعْضُ الناس ..
يعجبك قوله في الحياة الدنيا فقط ، أما لو قال في الآخرة كلاماً طيباً ، هو في الحقيقة إنسان طيب، لأن الله عز وجل قال : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)
( سورة الكهف )
ففي الدنيا تكلَّم ما شئت ، أما في الآخرة لن توفَّق في كلامك إلا إذا كنت مخلصاً ، لأن الله لو سمح لك أن تقنع الناس بالآخرة ، وأنت لست كذلك ، فهذا غشٌ لهم ، أما في الآخرة فلن يسمح لك أن تقول قولاً يُعجبهم ، أما في الدنيا فلك أن تقول قولاً يعجبهم ، وهذا مقيَّد ..