وهناك ترى الناس في عرفات ؛ أغنياؤهم ، وفقراؤهم ، أقوياؤهم، وضعفاؤهم ، وقد وقفوا على صعيدٍ واحد بثيابٍ موحدة ، بتضرعٍ واحدٍ إلى الله عز وجل ، وحدة الإنسان مع أخيه الإنسان تبدو واضحة في الحج ، فلو جاء مَلكٌ ليحج بيت الله الحرام لابد أن يخلع ثياب المُلْك ، ولابد من أن يقوم بمناسك الحج مع دَهْمَاء الناس ، إذ لا يوجد أماكن خاصة لأصحاب الألقاب ، ولا طواف خاص للملوك ، ولا سعي خاص لأصحاب الشأن ، فوحدة المسلمين تبدو واضحة جداً في مناسك الحج .
إذاً الحج عبادةٌ ماليةٌ شعائرية بدنية ، تحتاج إلى تفرُّغ ، وإلى ترك البلد ، والأوطان ، والأهل ، والخُلاَّن ، ثم تحتاج إلى أداء مناسك ، وكل مَنْسَك له حكمةٌ بالغةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، يقول الله عز وجل :
طبعاً كل أمرٍ يقتضي الوجوب ،ولكن هناك آية أخرى جعلت الوجوب فرضاً وهي قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ
( سورة آل عمران : من آية " 97 " )
" مَنْ كَفَرَ " قال : من لم يحج البيت وهو مستطيع ، أو من أنكر حج البيت ، أو من استغنى عن أن يحج لله في بيته الحرام ، فقد وقع في نوعٍ من الكفر .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ( 97 )
( سورة آل عمران : من آية " 97 " )
قال :
ما دام الأمر " وأتموا " .
فالإحصار نوعان ، إحصار قدري ، وإحصار بشري ، فأحياناً ـ لا سمح الله ، ولا قدر ـ يقع ابن أحد الناس من شرفةٍ فيقع ميتاً ، هذا قدر ، أما إذا ساق الإنسان مركبته بشكلٍ أرعن ودهس طفلاً ، فهذَا مُقَدَّر ، القدر من الله مباشرةً ، والشيء المُقَدَّر قد يأتي على يد إنسان ، أنت في القدر ليس لك غريم ؛ هو فعل الله مباشرةً ، أما بالمقدر ، فأمامك غريم ، إذ أمامك إنسان يمكن أن تقاضيه ، ولذلك قال تعالى : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ( 17 )
( سورة لقمان)