تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحج يحتاج إلى تفرُّغ ، فأنت تصلي في بلدك ، وتصوم في بلدك ، وبيتك ، وغرفتك ، ومكان إقامتك ، وحيث تكون زوجتك وأولادك ، وحيث يكون عملك ، ولكن الحج هذا العبادة الشعائرية ينفرد بخصيصة ؛ لا بد من التفرُّغ ، ولا بد من أن تدع بيتك ، وأن تدع زوجتك ، وأولادك ، وبناتك ، ومكتبك ، وتجارتك ، وبلدتك وأن تذهب إلى مكان بعيد متجشماً مشاقَّ السفر، ونفقاته ، والحج عبادة مالية وبدنية وشعائرية ، فهو مالية إذ يحتاج إلى نفقة ، بدنية يحتاج إلى صحة قوية ، وأنا أتمنّى على كل إنسان أن يحج في أقرب وقت ممكن لأنه بحاجةٍ ماسةٍ إلى جُهد، فالطواف والسعي ، والوقوف في عرفات ، ومزدلفة ، ومنى ، هذا الحج عبادة بدنية مالية شعائرية، يحتاج إلى تفرغ ، وأنت حينما تفرِّغ نفسك لله ، فهناك شيء مع الحج اسمه "التفريغ " ، فأنت فرغت نفسك لله ؛ وتركت بلدك ، وأهلك ، ومالك ، ومكتبك ، وتركت الثياب ،إذ لابد من أن تخلع هذه الثياب ، والناس يتفاوتون في ثيابهم ، والثياب تدلُّ على غنى الإنسان ، فقد يلبس الإنسان ثياباً غاليةً جداً ، فهذا الذي يمكن أن يكون موضع فخرك يجب أن تنزعه ، وأن ترتدي ثوبين ، رداءً وإزارًا أبيضين ، بلا شيء مخيط ولا محيط ، وبلا نعل ساتر للكعبين ، فلا بد من خُفٍ لا يستر ظاهر القدم ولا الكعبين ، ولا بد من إزارٍ ورداء ، وهذه هي الثياب ، إذاً هناك تقشف حتى في الثياب ، ويمنع عليك أن تتعطر ، وأن تحلق ، وأن تقلم أظافرك ، إذاً يريد الله عز وجل أن يذكِّرنا بالرحلة الأخيرة ، إن صح التعبير الحج رحلةٌ قبل الأخيرة ، عندما يقوم الناس جميعاً لرب العالمين .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١١٤٠