الشيء الثالث وهو الأهم هو : أن المؤمنين في مكة أفراد في بيوت ، وأن الذين يعذبونهم ، وينكِّلون بهم هم أهلهم ، فلو أُمِرَ المؤمنون في مكة بالقتال نشبت حربٌ في كل بيت ، لتمزقت الأسرة ، وهذه حكمةٌ بالغة ، حيث لم يكن هناك كيان للمسلمين ، ليس لهم أرض ، ليس لهم كيان ، هم أفراد في أُسر مشركة ، فلو أمر المؤمنون في مكة بالقتال ، لكان يعني هذا أن تنشِب معركةٌ في كل بيت ، ولأصبحت الحياة في مكة لا تطاق ، حربٌ أهلية ، والإسلام جاء للسلام ، جاء لترسيخ معاني الود ، معاني الخُلُق ، فلأن المسلمين ليسوا على أرضٍ تجمعُهم ، وليس لهم كيانٌ يقودُهم ، هم فُرادى متفرقون في بيوتات مشركة ، فلو أمروا بالقتال لكان معنى هذا أن تنشِب معركةٌ في كل بيت ، وهذا يتناقض مع الدعوة الإسلامية ، الدعوة التي هي من عند الله ، والتي تسعى إلى إقرار السلام في المجتمع ، هذه بعض الحِكَم التي يمكن أن تُسْتنبط .
الحكمة الرابعة : كان المسلمون قلةً في مكة المكرمة ، فالمسلمون قلة، وحينما يؤمرون بالقتال صار هذا أمرًا بالانتحار ، لابد من أن يأخذوا بالأسباب ، لابد من أن يكون هناك أملٌ بالنصر ، أما أشخاص ضعفاء شباب ، متفرقون في بيوت مشركة ، يؤمَرون بقتال أهلهم وآبائهم فهذا شيء مستحيل ، أولاً : هم قِلَّة ليس لهم أرض ، وليس لهم قيادة تجمعهم ، ثانياً : ظهرت نخوةٌ في الجاهلية أعادت لهم بعض حاجاتهم ، رابعاً وهو : أن الحياة في الجاهلية فيها عنف ، فيها عدم نظام ، فيها اضطراب ، فلو ترك الأمر على غاربه لنشبت معارك لا تنتهي .