تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكيف تُرشَّد هذه الحركة ؟ إما بمنهجٍ بياني افعل ولا تفعل ، أو بذوقٍ رفيع ، أو بمشاهدةٍ لحقائق الأشياء ، فالإنسان أحياناً يملك قدرة رؤية صحيحة ، وهذه الرؤية تمنعه من أن يسقط، تماماً كما لو أنك تركب مركبة والطريق وعر جداً ، فيه حُفر كبيرة ، ووديان سحيقة ، وأكمات ، والليل مظلم ، والآن منهج الله هو المصباح الذي يُريك الأكمة، والعقبة ، والحفرة، وكل الأخطار ، فما دمت حريصاً على سلامتك ـ بحسب فطرتك ـ ومعك مصباحٌ كشَّاف كشف لك أبعاد الطريق، فأنت في سلام ، ولذلك أول وقاية من السقوط عن طريق البيان.

وهناك وقاية ثانية عن طريق الذوق ، وكلَّما اتصلت بالله عزَّ وجل نَمَت أحاسيسك الأخلاقيَّة ، فتأبى الموقف اللاأخلاقي ؛ وتأبى العدوان ، أما حينما تنمو مشاعرك الإيمانية إلى درجة أعلى فتشاهد الحقيقة ، ولذلك الأنبياء الكرام ..وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ

( سورة يوسف : من آية " 24 " )

المؤمن في عنده رؤية صحيحة ، المؤمن يرى الحقيقة ؛ ويرى ما وراء الكسب الحرام ، وما وراء الزنى ، وما وراء العدوان ، ويرى أن هناك إلهاً عظيماً ، سوف يحاسب ، وسوف يُعاقب . وهذه الرؤية تجعله ينضبط بمنهج الله عزَّ وجل .

فلذلك " لعلَّكم تتقون " أيْ تتقون الخَطَر ؛ خطر الشقاء في الدنيا ، وخطر الشقاء في الآخرة ، وأن يكون الإنسان معرَّضاً لسخط الله ، ومعرَّضاً لعدل الله .. " لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربَّه " ..

ولأنك من بني البشر فأنت في خطر ، ولأنك قبلت حمل الأمانة ، والأمانة نفسك التي بين جَنْبَيْك ..قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)

( سورة الشمس )

فإذا انتبهت إلى هذه الناحية ، جعلت من الشرع موجِّهاً لك ، وشعرت من اتصالك بالله عزَّ وجل نوراً يهديك سواء السبيل .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٦٢