تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنقطة الثانية : أنك في رمضان تشعر بقيمة إمداد الله لك ـ وأنت عبدٌ ـ فالإنسان توجد في جسمه أجهزة دقيقة جداً ، وأدق قناةٍ في الجسم قناة الدمع، وهذه لوسُدَّت ـ مع أنها ليست خطيرة ـ فالدمع يفيض دائماً على وجنتيك ، وأنت مضطر إلى منديل لتمسح الدمع دائماً ، هذا الدمع قلوي ربما أثَّر على خديك فأصاب الجلد بالالتهاب ، لو أن قناة الدمع سُدَّت لأصبحت حياة الإنسان لا تطاق ، وأحياناً الإنسان يجور في قصّ ظفره قليلاً، فإذا وضع يده في شيءٍ حامض شعر بحُرقة ، لأن الأعصاب معيَّرة تعييراً دقيقاً جداً ، أعصابك معيَّرة .

وأجهزة الهضم ، والإفراز ، والدوران ، والأعصاب ، والجهاز الحركي ، فالإنسان يدقق في أجهزته ، في عظامه ، وعضلاته ، وفي جهازه الهضمي ، وعمل الكبد ، وعمل البنكرياس ، شيء لا يصدَّق ، فهذا كله يعمل بانتظام وأنت في غفلةٍ عن هذا النظام الدقيق . إذاً أنت في رمضان تشعر أن الله سبحانه وتعالى امتنَّ على عباده بهذا الطعام والشراب ، ولذلك قال تعالى واصفاً الأنبياء أنهم ..لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ

( سورة الفرقان : من آية " 20 " )

كلامٌ دقيق ، أيْ هم مفتقرون في وجودهم إلى شيءٍ يُضاف إليهم، أما ربنا عزَّ وجل ..قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)

( سورة الإخلاص )

وجوده لا يستمدُّ من شيءٍ آخر ، وجوده صمديّ ، وذاتيّ ،أما أنت فمفتقر إلى الطعام ، والهواء ، والماء ، واللباس ، والمأْوَى ، و إلى زوجة ، ووَلَد ، وإذا أردنا أن نعدِّد ما أنت مفتقرٌ إليه سنجد ملايين مملينة ، مفتقر إلى من يقصُّ لك شعرك ، وإلى أداةٍ تقصُّ أظافرك ، وإلى من يخيط لك ثيابك ـ وهكذا ـ إذاً كأنك في رمضان تعرف حجمك الحقيقي ، وتعرف ضعفك .

ولا تنسوا أيها الإخوة أن الإنسان حينما يفتقرُ إلى الله يتولاَّه الله ، وحينما يستغني عن الله يتخلَّى الله عنه .. ، "ومن اتكل على نفسه أوكله الله إليها " ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٥٩