تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإنسان أيها الإخوة قد يعيش في وَهْم ، وقد يكون قوي البُنية ، كثير المال ، فهو واهمٌ أنه إنسان قوي يفعل ما يريد ، ويأتي رمضان ـ فهذا الإنسان الكبير الذي له شأنٌ خطير ، والذي يهابه الناس ، وينصاعون لأمره ـ تجده هو نفسه مفتقراً لكأس ماء ، وإذا صام الإنسان في أشهر الصيف الحارة والطويلة ، بدءاً من الظهر كل خواطره ؛ كأس ماء ، أو كأس عصير ، وقد تكون شخصاً مهماً جداً ، ولك مكانة كبيرة أشعرك بعبوديَّتك لله عزَّ وجل، وأشعرك أنك مفتقرٌ إليه ، وأن وجودك متوقفٌ على إمداده ،فلولا هذه الّلقيمات التي تأكلها ، وهذا الماء الذي تشربه لانعدمت الحياة .

إذاً تعريفٌ آخر لهذا الشهر الكريم : إنه يُحَجِّم الإنسان ، يضعه في حجمه الحقيقي ، ويقوي به معاني العبوديَّة لله عزَّ وجل ، ويعرِّفه بضعفه ، فأنت ضعيف ، ومفتقر لكأس ماء ، وللُقيمات . والقصة التي نرويها كثيراً أن بعض الخلفاء سأله وزيره فقال :

ـ يا سيدي بِكَمْ تشتري هذا الكأس من الماء إذا مُنِعَ منك ؟

ـ قال : بنصف مُلْكِي .

ـ قال : فإذا مُنِعَ إخراجه ؟

ـ قال : بنصف مُلكي الآخر .

إنه إنسان مفتقر لشربة ماء ، فأنت في رمضان تقوى إرادتك على طاعة الله ، لأن الله حَمَلَك على تركِ المُباحات ، المألوفات التي لا تحرِّمها شريعة ، فلأن تَدَعَ المحرَّمات فهذا من باب أولى .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٥٨