تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلَّ موضوع الصيام موضوعٌ طويل ، لكنه ـ بشكلٍ مختصر ـ قد يعرفُ الإنسان الحقيقة وقد تضعف نفسه عن تطبيقِا ، وقد يعرفُ الخير ، وربما لا يتَّجه إليه ، وقد يعرف الشر ، وينجذب إليه ، قد يعرف ما ينفعه فلا يُقبل عليه ، وقد يعرف ما يضره فينسحبُ إليه ، فماذا نسمي هذه الحالة ؟ حالة ضعف إرادة ، بالضبط كما لو رأيت طبيباً يدخِّن ، يمكن أعلم إنسان بمضار التدخين هو الطبيب ، ومع ذلك قد يدخن لأنه ضعفت إرادته عن التعامل مع معقولاته ، ومع مسلَّماته ، فلعلَّ الصيام جعله الله تقويةً لإرادتنا.

الله عزَّ وجل أحلَّ لنا الطيبات وحرَّم علينا الخبائث ، أحلَّ لك أن تأكل ، وأن تشرب ، وأن تنام ، وأن تقترن بزوجتك ، لكنه في نهار رمضان حرَّم عليك ما أباحه لك في غير رمضان ؛ حرَّم عليك الطعام والشراب ، وسائر المُفطرات ، من أجل ماذا ؟ قال بعض العلماء: من أجل أن تقوى إرادتك ، فأنت في رمضان تركت المُباحات ، فلأن تدع المحرمات من باب أولَى .

فهل تصدقون أن إنساناً في رمضان يطلق عينيه في الحرام ؟ وإنْ فعل هذا فلا معنى لصيامه ، وترى الناس في رمضان يغضّون أبصارهم ، ويضبطون ألسنتهم ، ويرتادون المساجد ، وتراهم في رمضان يصلّون الفجر في مَسجد ، فلعلَّ الله عزَّ وجل حينما فرض علينا الصيام فلكي أن نألف ترك المُباحات ، فلأن نقوى في رمضان على ترك المحرَّمات من باب أوْلَى ، وحملك على ترك المباحات في رمضان ، فقد حرَّم عليك أن تشرب كأس الماء في رمضان ، وليس في الأرض شريعةٌ تحرِّمه ، فأنت ممنوع أن تشرب ، وأن تأكل ، وأن تقترِن بمن سمح الله لك بالاقتراب منها في رمضان ، وأنت في هذا الوقت تركت المباحات ، وتركت الذي أحلَّه الله لك ، فتجد نفسك قوياً على ترك ما حرَّمه الله عليك ، فهذه واحدة من فوائد رمضان ، إنَّه يقوي الإرادة .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٥٧