تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومرة ثانية أتمنى أن يكون كلامي واضحاً : أنا لا أدعوكم لإهمال التفاصيل ، لا أدعوكم لترك بعض دقائق هذا الشرع الحكيم ، هذا منهج كامل ، ولكن أنا أرفض أن يعتني الإنسان بالتفاصيل ، ويقيم خصومةً وعداوةً بينه وبين جماعاتٍ أخرى ، وينسى أصول الدين ، ممكن نقيم معركة بين ماذا ينبغي أن نفعل في القعود الأخير ، أن نفعل هكذا أشهد أن لا إله إلا الله ، أم نفعل هكذا ، أم نعمل هكذا ؟ اختر واحدة لا يوجد مانع ، أما أن نقيم مشكلة ، نُحدِث خصومة ، نكفٍّر الناس هذا شيء غير معقول .

أنا لا أتكلَّم من هواء بل من واقع ، هذا هو واقع المسلمين في شتى بقاع الأرض ، فكم من مسجد في أوروبا وأمريكا دخله رجال الأمن بأحذيتهم ليفضّوا نزاعاً بين جماعتين إسلاميتين حول قضايا تافهة في الدين ، قضايا تفصيلية ، وهذا الجامع للجماعة الفلانية ، وهذا الجامع للجماعة الفلانية ، هؤلاء يكفرون هؤلاء ، هذه مشكلة الآية ..

أي إنك لا تكونُ باراً ، ولا مقبولاً عند الله عزَّ وجل إذا دخلت في هذه المتاهات ، وتلك التفصيلات ، وهذه الخصومات ونسيت جوهر الدين..

أي أن أصل الإيمان كلِّه أن تؤمن بالله ، لا أن تؤمن به خالقاً فحسب ، لأنها قضية سهلة جداً ، ما من إنسان إلا قلَّة شاذَّة منحرفة جاءت في آخر الزمان أنكرت وجود الله ، أما البشرية جمعاء من آدم إلى يوم القيامة تؤمن أن الله خلق الكون ، حتى عُبَّاد الوثن ..وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ

( سورة لقمان : من آية " 25 " )

ليس هذا هو الإيمان المطلوب ، الإيمان المطلوب أن تؤمن به فعَّالاً، أن تؤمن به متصرِّفاً ؛ رافعاً وخافضاً ، معطياً ومانعاً ، معزاً ومذلاً ، قابضاً وباسطاً ، أن تؤمن أن كل شيءٍ يجري بأمره وعلمه ..فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ

( سورة القصص : من آية " 7 " )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٠٩