فمرة قال لي أخ على الهاتف ـ دخلنا في مناقشة عقيمة ، وبقينا حتى ساعة متأخرة ـ كدنا نختصم حول تعريف صلاة التهجُّد ، وصلاة قيام الليل ، أي صلاةٍ هي قيام الليل ، وأي صلاةٍ هي تهجُّد ؟ أنا ما أجبته بل قلت له : قم صل ركعتين لله وقل : يا رب هاتان الركعتان صليتهما في سبيلك ، وتقرباً إليك ، وأنا لا أعرف ماذا تسمِّيهما ، يا رب سمها ما شئت ، قم فصلِّ فقط .
فإذا سأل ابن والده : أنا إن أردت أن أدرس يا والدي كم تحب أن يكون بُعْدُ الكتاب عن طرف الطاولة ، كم سنتيمترًا ؟ قال له : خمسة سنتمترات ، وكم تحب أن تكون زاوية الكتاب؟ قال له : ثلاثين درجة ، أحضر منقلة ، وكم تحب أن يكون حرف الكتاب بعيداً عن حرف الطاولة الأيمن ؟ وحرف الكتاب الأيسر عن حرف الطاولة الأيسر ؟ قال له : ادُرس وخلّصني. اقرأ ، يريد أن يدرس فأذْهَبَ كل وقته بالمسافات، والقياسات ، افتح هذا الكتاب واقرأ وأنت مضجع ، افتح الكتاب واقرأ وأنت تمشي ، افتح الكتاب واقرأ وأنت جالس في غرفة الانتظار ، العبرة أن تقرأ.
آتيكم بأمثلة ..
بلاغ منع تجول : " يمنع التجول تحت طائلة إطلاق الرصاص " ، انتَبَهَ للحروف ، والخط ، والحبر ، والوقت ، والتوقيع ، والختم ، ولكن لم ينتبه لمضمون الكتاب ، أهم شيء بهذا البلاغ مضمونه ، أهم شيءٍ في الكتاب ـ هذا الكتاب المعلَّق ـ أن تقرأه وأن تدخل البيت، أما أن تقف وتنسى مضمونه ، وتتابع تفاصيل مملة حول نوع الخط ، وحول الحبر ، وحول التوقيع ، وحول الختم !!
هذا الذي وقع فيه المسلمون اليوم ، تركوا أصول الدين ، تركوا جوهر الدين وانغمسوا في التفاصيل التي لا تقدِّم ولا تؤخر .