تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(9) ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية.

(10) ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات إلى غير ذلك من

الوسائل التي تنشئ في القوم نشأة حياة اجتماعية وتولد في الرءوس حمية وحماسة

وفي النفوس سموا ونشاطا.

أما المسلمون فإنهم كما سبق بيانه أهملوا استعمال تلك الوسائل الشريفة

المؤسسة عندهم للشورى والمفاوضات والتناصح والتداعي، أعني بذلك الجماعة

والجمعية وجمعية الحج حتى كأن الشارع لم يقصد منها غير أداء الفريضة فقط

بصورة تعبدية بسيطة، والحال أن حكمة الشارع أبلغ من ذلك، وعندي أن هذا

أعظم أسباب الفتور (مرحى) .

فأجابه (الإمام الصيني) إن هذا أشبه بالعوارض منه بالأسباب، فهو أليق

بأن يكون دواء للداء ونحن مهتمون ابتداء بمعرفة سبب الفتور.

ثم قال: إني أرى أن السبب الأكبر للفتور هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء

المتملقين المنافقين الذين يتصاغرون لديهم ويتذللون لهم ويحرفون أحكام الدين

ليوفقوا بينها وبين أهوائهم، فماذا يرجى من علماء يشترون بدينهم دنياهم ويقبلون

يد الأمير ليقبل العامة أيديهم ويحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من

الضعفاء، أكبر همهم التحاسد والتباغض والتجادل والتفاضل لا يحسنون أمرا من

الأمور حتى الخصومة؛ فتراهم لا يرغمون إلا بتكفير بعضهم بعضا عند الأمراء

والعامة.

وهذا داء عياء صعب المداواة جدا؛ لأن كبر الأمراء يمنعهم من الميل إلى

العلماء العاملين الذين فيهم نوع غلظة لا بد منها ونعما هي مزية لولاها لفقد الدين

بالكلية (مرحى) .

فلا شك أن أفضل الجهاد في الله في هذا الزمان الحط من قدر العلماء المنافقين

عند العامة وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين حتى إذا رأى الأمراء انقياد

الناس لهؤلاء أقبلوا عليهم أيضا رغم أنوفهم وأذعنوا لهم طوعا أو كرها على أنه

يجب على حكماء الأمة المجاهدين في الله أن يعتنوا بالوسائل اللينة لتثقيف عقول

العلماء العاملين؛ لأن العلم رافع للجهل فقط ولا يفيد عقلا ولا كياسة فيلزم تعليمهم

وتعريفهم كيف تكون سياسة الدين وهكذا يفعل الحكماء عندنا، معاشر إسلام الصين

ولا تفقد أية بلدة كانت رجالا حكماء نبلاء يمتازون طبعا على العامة، لهم نوع من

الولاء حتى على العلماء.

وهؤلاء الذين نسميهم عندنا بالحكماء هم الذين يطلق عليهم في الإسلام اسم

أهل الحل والعقد الذين لا تنعقد (الإمامة) شرعا إلا ببيعتهم وهم خواص الطبقة

العليا في الإسلام الذي أمر الله عز شأنه نبيه بمشاورتهم في الأمر الذين لهم شرعا

حق الاحتساب والسيطرة على الإمام والعمال؛ لأنهم رءوساء الأمة ووكلاء العامة

والقائمون في الحكومة الإسلامية مقام مجالس النواب والأشراف في الحكومات

المطلقة كالصين وروسية ومقام شيوخ الأفخاذ في إزاء أمراء العشائر العربية،

أولئك الأمراء الذين ليس لهم من الأمر غير تنفيذ ما يبرمه الشيوخ.

وإذا دققنا النظر في آراء الحكومات الإسلامية من عهد الرسالة إلي الآن نجد

ترقيها وانحطاطها تابعين القوة أو ضعف احتساب أهل الحل والعقد واشتراكهم في

تدبير شئون الأمة.

وإذا رجعنا البصر إلى التاريخ الإسلامي نجد أن النبي عليه السلام كان أطوع

المخلوقات للشورى امتثالا لأمر ربه في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (آل عمران: 159) حتى إنه ترك الخلافة لمجرد رأي الأمة.

ثم كان أول الخلفاء رضي اللهعنه أشبه به حتى إنه أخذ رأي سراة الصحابة فيمن استخلف. ثم إن الخليفة الثاني اتبع أثر الأول وإن استأثر في ترتيب الشورى فيمن يخلفه ثم لما اجتهد الخليفة الثالث في مخالفة رؤساء الصحابة في بعض المهمات

لم يستقم له الأمر وظهرت الفتن كما هو معلوم ثم إن معاوية رحمه الله كان قليل

الاستقلال بالرأي فحسنت أيامه عما كان قبلها. وهكذا كانت دولة الأمويين تحت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٩٠