تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعوزهم المال اللازم للتدرج في العلوم حتى للسياحات البحرية والقطبية؛ لأن

فريضة الزكاة على مالكي النصاب والكفارات المالية جاعلة لفقراء الأمة وبعض

الشؤون العمومية نصيبا غير قليل من مال الأغنياء، إذا عاش المسلمون مسلمين

حقيقة أمنوا الفقر، وعاشوا عيشة الاشتراك العمومي المنتظم التي يتمنى ما هو من

نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي الذين لم يهتدوا بعد لطريقة نيلها مع أنه تسعى

وراء ذلك منهم جمعيات وعصبيات مكونة من ملايين باسم (كومون وفنيان

ونيهلست وسوسيالست) كلها تطلب التساوي أو التقارب في الحقوق والحالة

المعاشية، ذلك التساوي والتقارب المقررين في الشريعة الإسلامية دينا بوسيلة أنواع

الزكاة والكفارات، ولكن تعطيل إيتاء الزكاة وإيتاء الكفارات سبب بعض الفتور

المبحوث فيه، كما سبب إهمال الزكاة فقد الثمرات العظيمة، من معرفة المسلم ميزانية

ثروته سنويا فيوفق نفقاته على نسبة ثروته ودخله ولا شك أن الواحد من الأربعين يفي

أن يبذل لأجل هذه الثمرة وحدها، والشريعة الإسلامية هي أول شريعة ساقت الناس

والحكومات لأصول الميزانية المؤسس عليه فن الاقتصاد المالي الأفرادي

والسياسي.

ويخيل إلي أن سبب هذا الفتور الذي أخل حتى بالدين هو فقد الاجتماعات

والمفاوضات، وذلك أن المسلمين في القرون الأخيرة قد نسوا بالكلية حكمة تشريع

الجماعة والجمعية وجمعية الحج، وترك خطباؤهم ووعاظهم خوفا من الأمراء

التعرض للشئون العامة كما أن علماءهم صاروا يسترون جبنهم بجعلهم التحدث في

الأمور العامة والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يعني وعدهم إتيان ذلك

في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز وربما اعتبروه من الغيبة أو التجسس أو السعي

بالفساد؛ فسرى ذلك إلى أفراد الأمة وصار كل شخص لا يهتم إلا بخويصة نفسه

وحفظ حياته في يومه كأنه خلق أمة وحده وسيموت غدا وهكذا صار المسلم جاهلا

أن له حقوقا على الجامعة الإسلامية والجامعة البشرية وأن لهما عليه مثلها ذاهلا عن

أنه مدني بالطبع لا يعيش إلا بالاشتراك ناسيا أو هاجرا أوامر الكتاب والسنة له

بذلك (مرحى) .

ثم بتوالي القرون والبطون على هذه الحال تأصل في الأمة فقد الإحساس إلى

درجة أنه لو خربت هذه الكعبة - والعياذ بالله تعالى - لما تقطبت الحياة أكثر من

لحظة، ولا أقول لما زاد تلاطم الناس على سبعة أيام كما ورد في الأثر؛ لأن

المراد بأولئك الناس أهل ذاك الزمان.

وإذا دققنا النظر فى حالة الأمم الحية المعاصرة وهى ليس عندها ما عندنا من

الوسائل الشريفة للاجتماع والمفاوضات نجدهم قد احتالوا للاجتماعات ولاسترعاء

السمع وتوجيه النظر بوسائل شتى.

(1) منها تخصيصهم يوما في الأسبوع للبطالة والتفرغ من الأشغال

الخاصة لتحصل بين الناس الاجتماعات وتنعقد الندوات فيتباثون

ويتناجون.

(2) ومنها تخصيصهم أياما يتفرغون فيها للمذاكرة في مهمات الأعمال

لأعاظم رجالهم الماضين تشويقا للتمثل بهم.

(3) ومنها إعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات تسهيلا للاجتماع

والمذاكرات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات.

(4) ومنها إيجادهم المنتزهات الزاهية العمومية وإجراء الاحتفالات

الرسمية والمهرجانات بقصد السوق للاجتماعات.

(5) ومنها إيجادهم محلات التشخيص المعروف (الكوميديا) و (التياترو)

بقصد إراءة العبر واسترعاء السمع للحكم والوقائع، ولو ضمن أنواع من الخلاعة

اتخذت شباكا لمقاصد الجمع والإسماع ويعتبرون أن نفعها أكبر من ضرر الخلاعة.

(6) ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم الملية المفصلة

المدمجة بالعلل والأسباب تمكينا لحب الجنسية.

(7) ومنها حرصهم على حفظ العاديات المنبهة وادخار الآثار القديمة

المنوهة واقتناء النفائس المشعرة بالمفاخر.

(8) ومنها إقامتهم النصب المفكرة بما نصبت له من مهمات الوقائع القديمة.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٨٩