تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيطرة أهل الحل والعقد لا سيما من سراة بني أمية فانتظمت على عهدهم الأحوال

كما كان كذلك على عهد صدر العباسيين حيث كانوا مذعنين لسيطرة رؤساء بني

هاشم ثم لما استبدوا في الرأي والتدبير فخالفوا أمر الله واتباع طريقة رسول الله

ساءت الحال ففقدوا الملك.

وهكذا عند التدقيق في كل فرع من الدول الإسلامية والحاضرة، بل في

ترجمة كل فرد من الملوك والأمراء، بل في حال كل ذي عائلة أو كل إنسان فرد

نجد الصلاح والفساد دائرين مع سنة الاستشارة أو الاستقلال في الرأي.

فإذا تقرر هذا علمنا أن سبب الفتور العام المبحوث فيه هو استحكام الاستبداد

في الأمراء عتوا وتكبرا، وترك أهل الحل والعقد الاحتساب جهلا وجبانة، وهذا

عند بعض الأقوام المسلمين، وأما الأكثر فقد أمسوا لا علماء هداة ولا سراة أباة بل

هم فوضى في الدين والدنيا ولا بدع فيمن يكونون على مثل هذه الحال أن لا يرجى

لهم دواء إلا بعناية بعض الحكماء الذين ينتخبون من أية طبقة كانت من الأمة وقد

قضت سنة الله في خلقه أن لا تخلو أمة من الحكماء.

فأجاب (العالم النجدي) إن شئون السياسة في الصين تختلف كثيرا عنها في

غيرها، وليس في الصين ملوك كثيرة وأمراء جبابرة كما عند غيرهم، فالحكماء

في الصين آمنون من جهة أخرى لم يزل الإسلام في الصين حنيفا خفيفا لم يفسده

التفنن والتشديد وعلى ذلك نرى الفتور شاملهم أيضا، ونحن الآن نبحث عن السبب

العام لهذا الدواء وليس كل السبب أحوال الأمراء والعلماء.

ثم قال: إني أجزم ولا أقول أظن أو إخال أن سبب الفتور الطارئ الملازم

لجماعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته ولا برهان أعظم من الملازمة وما

جاء الخفاء من شدة الوضوح، فهل بقي من شك بعد هذه الأبحاث التي سيقت في

جمعيتنا ولا سيما ما بينه المحقق المدني في أن الدين الموجود الآن بالنظر إلى ما

ندين به لا بالنظر إلى ما نقرره وباعتبار ما نفعله لا باعتباره ما نقوله ليس هو

الدين الذي تميزت به أسلافنا متين من السنين على العالمين كلا بل طرأت على

الدين طوارئ تغيير غيرت نظامه.

وذلك أن الخلف تركوا أشياء من أحكامه كإعداد القوة بالعلم والجهاد في الدين

والأمر بالمعروف وإزالة المنكر وإقامة الحدود وإيتاء الزكاة وغير ذلك مما أوضحه

الإخوان الكرام، وزاد المتأخرون بدعا وتقليدات وخرافات ليست منه كشيوع عبادة

القبور والتسليم لمدعي والتصرف في المقدور.

وهذه الطوارئ من تغييرات أو متروكات أو مزيدات أكثرها يتعلق بأصول

الدين وبعضها بأصل الأصول؛ أعني التوحيد، وكفى بأن يكون ذلك سببا للفتور

وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11) - مرحى.

ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن الدين تغير عما كان عليه فما تأثير ذلك في

الفتور العام الذي هو من شأن الحياة الدنيا، وها نحن أولاء نجد أكثر الأمم الحية

التي نغبطها، قد طرأ على دينها التغيير والتبديل في الأصول والفروع ولم يؤثر

ذلك فيها الفتور بل زعم كثير من حكماء تلك الأمم أنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد

عزلهم شئون الدين عن شئون الحياة وجعلهم الدين أمرا يتعلق بالنفس ولا علاقة له

بشئون الحياة الجارية على نواميس الطبيعة.

فالجواب على ذلك أنه كما يطالب كل إنسان بأن يكون صاحب ناموس أي

متبعا على وجه الاطراد في إخلافه وإعماله قانونا ما موافقا ولو في الأصول فقط

لقانون الهيئة الاجتماعية التي هو منها وإلا فيكون لا ناموس له منفورا منه مضطهدا

فكذلك كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام بينهم ملائم لجملة لقوانين الأمم

التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية أو مناسبات سياسية وإلا فيكونون قوما

متوحشين لا خلاق لهم ولا نظام منفورا منهم مضطهدين.

وذلك أن الناموس الطبيعي في البشر هو ناموس وحشي لا خير فيه؛ لأن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٩١