الصنعة وينشرونها في البلاد؟ أين هي؟ ومن كانوا؟ وأين آثارهم؟ لا بل بغض
إلى المصريين العمل والصنعة بتخسيرهم في العمل والاستبداد بثمرته فكانوا
يتربصون يوما لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين
عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه.
يقولون: إنه أنشأ جيشا كبيرا فتح به الممالك ودوخ به الملوك وأنشأ أسطولا
ضخما تثقل به ظهور البحار، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار. فهل
علم المصريين حب التجنيد، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب وحبب إليهم
الخدمة في الجندية وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهروب منها وعلم آباء
الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت بعد أن كانوا
ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك
وكان من ينتظم في الجندية على عهجد محرر مصر لا يخرج منها إلا بالموت. ... هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه، وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول هذا جيشي وأسطولي أو جيش بلدي أو أسطوله؟ كلا لم
يكن شيء من ذلك، فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونا لظالمه فهي
قوة خصمه. كذلك كان يعدها كل عثماني في مصر أو في غير مصر. ليقل لنا
أنصار الاستبداد كم كان في الجيش من المصريين الذين بلغوا في رتب الجندية إلى
رتبة البكباشي على الأقل؟ فما أثر ذلك في حياة مصر والمصريين إلا أسوأ الأثر، كله شر في شر؛ لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدمت واندثرت.
ظهر الأثر العظيم عندما جاء الإنكليز لإخماد ثورة عرابي. دخل الإنكليز مصر
بأسهل ما يدخل به دامر على قوم، ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس
تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول
الفرنساويين إلى مصر، وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير
وجهله الأحداث، فهم يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه.
لا يستحيي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران
سلطانه بنية من الدين، أي دين كان دعامة لسلطان محمد علي؟ دين التحصيل،
دين الكرباج. دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده. وإلا فليقل لنا أحد من الناس
أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي الجليل؟ لا يذكرون إلا
مسألة الوهابية وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين، نعم
إن الوهابية غلوا في بعض المسائل غلوا أنكره عليهم سائر المسلمين، وما كان
محمد علي يفهم هذا ولا سفك دماءهم لإرجاعهم إلى الاعتدال وإنما كانت مسألة
سياسية محضة تبعها جراءة محمد علي على سلطانه العثماني فكان معه ما كان مما
هو معروف.
نعم: أخذ ما كان للمساجد من الرزق وأبدلها بشيء من النقد يسمى فائض
رزنامه لا يساوي جزءا من الألف من إيراده. وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما
لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل
ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة.
وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخلع أو إجلاسهم
على الموائد لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا
عليه في سخط ماتوا عليه.
ولا أظن أن أحدا يرتاب بعد عرض تاريخ محمد علي على بصيرته أن هذا
الرجل كان تاجرا زارعا وجنديا باسلا. ومستبدا ماهرا لكنه لمصر قاهرا، ولحياتها
الحقيقية معدما، وكل ما نراه الآن فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره متعنا الله
بخيره وحمانا من شره والسلام.
مؤرخ
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
بقية الاجتماع الثالث لجمعية أم القرى
(المنعقد في مكة المكرمة في 18 ذي القعدة سنة 316)
أجاب (السعيد الإنكليزي) إن المسلمين من حيث مجموعهم أغنياء لا