تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزاد لهم في الامتياز خارجا عن حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة

العثمانية صار كل صعلوك منهم لا يملك قوت يومه ملكا من الملوك في بلادنا يفعل

ما يشاء ولا يسأل عما فعل. وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة

الحاكم وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها وانقلب الوطني غريبا في داره،

غير مطمئن في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان: ذل ضربته

الحكومة الاستبدادية المطلقة، وذل سامهم الأجنبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم

غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة.

قالوا: إنه طلع نجم العلم في سماء البلاد. نعم عني بالطب لأجل الجيش

والكشف على المجني عليهم في بعض الأحيان عندما يراد إيقاع الظلم بمتهم.

وبالهندسة لأجل حتى يدبر مياه النيل بعض التدبير، ليستغل إقطاعه الكبير.

هل تفكر يوما في إصلاح اللغة عربية أو تركية أو أرنؤدية؟ هل تفكر في

بناء التربية على قاعدة من الدين أو الأدب؟ هل خطر في باله أن يجعل للأهالي

رأيا في الحكومة في عاصمة البلاد أو أمهات الأقاليم؟ هل توجهت نفسه لوضع

حكومة قانونية منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل؟ لم يكن شيء من ذلك بل كان

رجال الحكومة إما من الأرنؤد أو الجراكسة أو الأرمن المورلية أو ما أشبه هذه

الأوشاب، وهم الذين يسميهم بعض الأحداث من أنصاره اليوم دخلاء. وكانوا

يحكمون بما يهوون لا يرجعون إلى شريعة ولا قانون، وإنما يبتغون مرضاة الأمير

صاحب الإقطاع الكبير.

أين البيوت المصرية التي أقيمت في عهده على قواعد التربية الحسنة؟ أين

البيوت المصرية التي كانت لها القدم السابقة في إدارة حكومته أو سياستها أو سياسة

جندها مع كثرة ما كان في مصر من البيوت الرفيعة العماد الثابتة الأوتاد.

أرسل جماعة من طلاب العلم إلى أوربا ليتعلموا فيها. فهل أطلق لهم الحرية

أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا ولكنه استعملهم آلات تصنع له ما يريد وليس

لها إرادة فيما تصنع. وجد بعض الأطباء الممتازين وهم قليل، ووجد بعض

المهندسين الماهرين وليسوا بكثير، والسبب في ذلك أن محمد علي ومن معه لم يكن

فيهم طبيب ولا مهندس فاحتاجوا إلى بعض المصريين ولم يكن أحد من الأعوان

مسلطا على المهندس عند رسم ما يلزم من الأعمال ولا على الطبيب عند تركيب

أجزاء العلاج فظهر أثر استقلال الإرادة في الصناعة عند أولئك النفر القليل من

النابغين، وكان ذلك مما لا تخشى عاقبته على المستبدين.

هل كانت له مدرسة لتعليم الفنون الحربية؟ أين هي؟ وأين الذين نبغوا من

طلابها؟ فإن وجد أحد نابغ، فهل هو من المصريين؟ عدوا إن شئتم أحياء أو

أمواتا.

وجد كثير من الكتب المترجمة في فنون شتى من التاريخ والفلسفة والأدب

ولكن هذه الكتب أودعت في المخازن من يوم طبعت وغلقت عليها الأبواب إلى

أواخر عهد إسماعيل باشا فأرادت الحكومة تفريغ المخازن منها، وتخفيف ثقلها

عنها، فنثرتها بين الناس فتناول منها من تناول، وهذا يدلنا على أنها ترجمت

برغبة بعض الرؤساء من الأوربيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد لكنهم لم

ينجحوا؛ لأن حكومة محمد علي لم توجد في البلاد قراء ولا منتفعين بتلك الكتب والفنون.

كانوا يختطفون تلامذة المدارس من الطرق وأفناء القرى (الأفناء: الناس ...

المجهولون) كما يختطفون عساكر الجيش، فهل هذا مما يحبب القوم في

العلم ويرغبهم في إرسال أولادهم إلى المدارس؟ لا بل كان يخوفهم من المدرسة

كما كان يخيفهم من الجيش.

حمل الأهالي على الزراعة ولكن ليأخذ الغلات، ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر، والموت الأحمر. وقوانين

الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك.

يقولون: إنه أنشأ المعامل والمصانع! ولكن هل حبب إلى المصريين العمل

والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٨٧