تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيوتا منها أنصارا لهم عند الحاجة وعرف هؤلاء حاجة الأمراء إليهم فارتفعوا في

أعينهم وصار لهم من الأمر مثل ما لهم أو ما يقرب من ذلك. لهذا كنت ترى في

البلاد بيوتا كبيرة لها رؤساء يعظم نفوذهم ويعلو جاههم.

ذلك كان يقضي على كل أمير من أولئك الأمراء أن يصرف زمنه في التدبير

واستجلاب النصير، وإعداد ما يستطيع من قوة لحفظ ما في يده والتمكن من

إخضاع غيره، أنصاره من الأهالي كانوا يجارونه في ذلك خوفا من تعدي أعوان

خصمه عليهم فوقعت القسمة بين الأهالي ولا تزال أسماء الأقسام معرفة إلى اليوم -

سعد وحرام، هذا يحدث بطبعه في النفوس شمما وفي العزائم من قوة ويكتسب

القوى البدنية والمعنوية حياة حقيقية مهما احترقت نوعها. فكانت العناصر جميعها

في استعداد لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه ويعرف العالم بمكانته.

جاء الجيش الفرنساوى والبلاد في هذه الحالة. دخل البلاد بسهولة لم يكن

ينتظرها، احتل عاصمتها واستقر له السلطان فيها. لم تكن أيام قلائل حتى

ظهر فيه القلق وعظمت حوله القلاقل ولم تنقطع الحروب والمناوشات ولم يهدأ

لرؤساء العساكر بال. يدلك على ذلك شكوى نابليون نفسه في تقاريره التي كان

يرسلها إلى حكومة الجمهورية من اصطياد العربان لعساكره من كل طريق، وسلبهم

أرواحهم بكل سبيل، واضطر نابليون أن يسير في حكومة البلاد بمشورة أهلها

وانتخب من أعيانها من يشركه في الرأي لتدبيرها طوعا لحكم الطبيعة التي

وجدها.

قتل بعض رؤساء الجيش واضطربت عليه البلاد، وجاء الجيش العثماني

وعاونه الجيش الإنكليزي وخرجت عساكر الفرنساويين من مصر، ولا أطيل الكلام

فقد ظهر محمد علي بالوسائل التي هيأها له القدر.

ما الذي كانت تنتظره البلاد من نوع حكومتها؟ كانت تنتظر أن يشرق نور

مدنية يضيء لرؤساء الأحزاب طرقهم في سيرهم لبلوغ آمالهم، وقد كان ذلك يكون

لو أمهلهم الزمان حتى يعرف كل منهم ما بلغ به غيره الغاية التي كان يقصدها في

بلاد غير بلاده. وما كان بينهم وبين ذلك إلا أن يختلطوا بأهل البلاد الغريبة

ويرتفع الحجاب الذي أسدله الجهل دونهم. أو كانت تنتظر أن يأتي أمير عالم

بصير فيضم تلك العناصر الحية بعضه إلى بعض ويؤلف منها أمة تحكمها حكومة

منها ويأخذها منها ويأخذ في تقوية مصباح العلم حتى ترتقي بحكم التدريج الطبيعي

وتبلغ ما أعدته لها تلك الحياة الأولي.

ما الذي صنع محمد علي؟ لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت. كان

معظم قوة الجيش معه وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة فأخذ يستعين بالجيش وبمن

يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه ثم يعود بقوة الجيش وبحزب

آخر على من كان معه أولا وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه وهكذا حتى إذا

سحقت الأحزاب القوية وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة فلم يدع منها رأسا

يستتر فيه ضمير (أنا) واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من

الأهلين وتكرر ذلك منه مرارا حتى فسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منم وأجهز

على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها فلم يبق في البلاد رأسا يعرف

نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه.

أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه على أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يبق في البلاد إلا آلات له

يستعملهافي جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه فمحق بذلك

جميع عناصر الحياة الطبيعية من رأي وعزيمة واستقلال نفس ليصير البلاد

المصرية جميعها إقطاعا واحدا له ولأولاده على أثر إقطاعات كثيرة كانت

لأمراء عدة.

ماذا صنع بعد ذلك؟ اشرأبت نفسه لأن يكون ملكا غير تابع للسلطان العثماني

فجعل من العدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوربيين فأوسع لهم في المجاملة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٨٦