تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يغيظك، فيا ما أعظم جودك ورحمتك لأنك تحتمل خاطئا مثلي) وكأني بهم يقولون:

إن هذه رواية آحاد أو ولدان لا يعتد بها في هذا المقام وإن صحت: وإنني أرضى

بهذا القول بشرط أن لا يقبل قائله مثل هذه الروايات الآحادية عن صالحي قومه لأن

ما جاء على خلاف سنن الكون لا يقبل إلا بالدليل القاطع الذي لا يقبل النقض

كمعجزات الأنبياء عليهم السلام.

ومن قبيل هذه الأعجوبة قول القس المذكور عنه أنه حينما كان يوما يتلو

صلوات الكنيسة لإكرام مريم العذراء الجليلة رأى بغتة صورة ربه الثالوث الأقدس

وهذه الرؤيا نورته وعزته جدا حتى إنه لم يقدر في ذلك النهار كله أن يكف عن

ذرف الدموع، ولم يتكلم إلا عن الثالوث الأقدس بنوع جلي سام بحيث كان يذهل

بخطابه عقول أجل علماء اللاهوت مع أنه كان لا يعرف حينئذ إلا القراءة والكتابة،

ومرة أخرى رأى في القداس حقيقة وجود جسد المسيح ودمه في القربان المقدس)

اه. ولهم أن يقولوا في الكلام اللاهوتي الذي قاله من غير تعلم إنه ليس من

الخوارق؛ لأن الأذكياء إذا توجهوا إلى شيء واعتنوا به، فلا يبعد أن يقولوا فيه

قولا غير منتظر ممن في درجتهم العلمية، وليس في درجتهم العقلية، ثم إننا لا

نعرف ما هو ذلك القول لنحكم أنه محل للإعجاب في الجملة فكيف نحكم بأنه علم

لدني إلهي جاء بغير تعلم، وربما كان في الواقع خطأ، نعم إن أهل العلم والعقل من

المسلمين يقولون هذا، ولكن فينا كثيرا من المدعين للولاية ليس لهم كرامة إلا الأقوال

التي يسمونها علوما لدنية، وما هي إلا من اللغو والجهالة، ومنهم دجال الزقازيق

الذي يدعي أنه يفسر القرآن بالإلهام، ويعتقد صدقه الجم الغفير فيقصدونه من كل

جانب بالهدايا والنذور ومثله كثير.

وأما رؤية جسد المسيح ودمه في القربان، فهي دعوى بغير برهان، ومثل

ذلك دعوى ظهور الشيطان له بزي ملك النور وحثه على الرياضات والعبادة ليصرفه

عن العلم عندما قلل العبادة واشتغل بالعلم (قالوا) : ولكنه عرفه ولم ينخدع. ولكن

عندنا مثل هذه أيضا فقد ذكروا أن الشيطان ظهر للشيخ عبد القادر الجيلي بصورة

نورانية وقال له إنه رفع عنه التكاليف فعرفه عبد القادر وقال: اخسأ يا ملعون. فعند

ذلك تحول إلى ظلمة، وقال له نجوت مني بعلمك يا عبد القادر وإنني قد فتنت بهذه

الحيلة كذا من العباد وذكر عددا كثيرا.

ومن عجائب أغناطيوس وخوارقه التي دونوها، أنه عندما رجع من القدس

إلى أوربا طلب من ربان سفينة (الربان رئيس الملاحين) أن يحمله إلى إيطاليا

حبا في الله؛ فأبى وحمله ربان آخر فانكسرت سفينة الذي أبى؛ ونجت سفينة الذي

حمله، ومثل هذه أنه رأى مرة جماعة يلعبون (فطلب منهم الصدقة؛ فنظر إليه

واحد من الجمهور وهتف قائلا نحو القديس: ليحرقني الله حيا إن كان هذا الرجل

لا يستحق أن يحرق حيا، وفي ذلك النهار عينه حضر فرجة دنيوية مبهجة، وكان

واقفا على برميل ممتلئ بارودا؛ وإذا بشرارة ملتهبة وقعت على ذلك البرميل

فاشتعل البارود حالا وأحرق الرجل حيا) . وعجيبة أخرى من هذا القبيل وهي أنه

لما جمع (ينسي) بأمره الرهبان في مكان ليقرأ عليهم قوانينه التي وضعها لهم بعد

الخروج من المائدة، واجتمعوا انهدم الرواق الذي كانوا يتذاكرون فيه بعد الأكل

ولولا هذا لانهدم عليهم الرواق، وههنا يقول القارئ: إن هذه الوقائع هي التي نقلها

الكثيرون وعدوها عجيبة متواترة وما هي بعجيبة وإنما هي وقائع حدثت بأسبابها

وكان حدوثها بعد ما ذكر من باب المصادفة والاتفاق لا أن سر القديس كان سببا في

حدوثها، ومثل ذلك يتفق لكل أحد ولكن الناس لا يلتفتون إلى هذه المصادفات إلا إذا

كان هناك من يعتقدون صلاحه، وهذا القول صحيح وهو ما يصدق فيما ينقله قومنا

من مثل ذلك عن معتقديهم من الأحياء والأموات.

ألم يقل كثير من الناس: إن الشيخ محمد عبده اتهم في هذه المسألة العرابية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٧٩