لأن باب الحرم أو باب الطريق غير مغلق في وجوههم، وإذا فرضنا أن المتشدق
بما ذكر غيدار (الغيدار هو الرجل يسيء الظن فيصيب) وكانت الحكومة تحب أن
تصد الناس عن الحج في باطنها أو بإلجاء المحتلين لها على ذلك فهل تقضي قوة
الدين بأن تضعف الأمة أمامها. وتجعل دينها هدفا لسهامها، أم الواجب عليها بذل
النفس والنفيس في مقاومتها وحفظ شعار الدين، وإقامة هذا الركن الركين، الأمر
ظاهر ولكن ممن يلمز بالحكومة من هو أشد تنفيرا وتثبيطا عن إقامة ركن الإسلام
الذي يدعي الدفاع عنه فحسبنا الله ونعم الوكيل.
***
(سكة حديد الحجاز - وضريبة لها جديدة)
تعلقت إرادة مولانا السلطان بأن يؤخذ قرش صحيح عن كل ورقة تقدم
للحكومة في العدلية وغيرها من الدوائر سواء كانت الورقة مستقلة أو تابعة لأوراق
أخرى كالأوراق التي يحتج بها الخصماء في الدعاوى (المستندات) والمال الذي
يجمع من هذه الضريبة مخصوص بسكة حديد الحجاز لأن نفقاتها تزيد كل يوم
باتساع العمل.
وفي هذا المقام ننوه بغيرة إخواننا مسلمي الهند واهتمامهم بهذا المشروع
الإسلامي الكبير، ونخص بالذكر الأستاذ الهمام الملا عبد القيوم فإن الجرائد الهندية
توافينا دائما بذكر تجواله في البلاد وخطبه المؤثرة في الحث على جمع مال الإعانة
للسكة، ولم نسمع بأن عالما مصريا أو تونسيا نبس بكلمة خير في هذا الموضوع،
نعم إن الحرية الممنوحة للمصريين لم تقدر أن تنقذ قلوبهم من الاستعباد للحكومة،
فلو أن حكومتهم أرادت جمع إعانة لأرادوا أو لو ظنوا أنها تريد ذلك لبادروا إليه
كما امتنعوا عن الحج لأنهم ظنوا أن حكومتهم لا تريد أن يحجوا في هذا العام (هذا
وما فكيف لو) .
***
(إصلاح لبنان - لائحة للمتصرف الجديد)
أهدتنا جريدة المناظر الغراء التي تصدر في البرازيل رسالة مطبوعة أو
(لائحة) من جماعة اللبنانيين المهاجرين إلى صاحب الدولة مظفر باشا متصرف
لبنان وهي رسالة جليلة صادرة عن فكر حي نقتطف منها ما يأتي:
(مولاي: الأمة اللبنانية مستقلة في شؤونها الداخلية فهل استقلت على سبيل
الاستعداد؟ ينبئنا التاريخ وتدلنا الحالة الحاضرة على أن الأمة لا تتحرك فيها عاطفة
الاستقلال إلا متى أنفت من الرضوخ للسلطة الأجنبية، وأنها لا تأنف من هذا
الرضوخ إلا متى شعرت بطاقتها على أن تحكم نفسها، فالأمة اللبنانية لم تستقل
على سبيل الاستعداد.
(قد تقدم الاستقلال الداخلي اللبناني شيء مما يتقدم الاستقلال غالبا تقدمته
دماء ولكن ليست كالدماء التي جرت في أمريكا سنة 1775 وما يليها إلى سنة
1783 تقدمته معارك ولكنها ليست كالمعارك التي حدثت في بولونيا سنة 1830،
تقدمه جهاد ولكن ليس كالجهاد الذي حدث في جنوبي أفريقية في السنوات الثلاث
الأخيرة إنما الدماء التي تقدمت استقلالها كلها دماء لبنانية لم تمتزج بها نقطة من
دماء جيوش الدولة المتسلطة ولا دار في خلد اللبناني في السنوات التي تقدمت
استقلاله أن يخرج على الدولة التي كان ولا يزال يرفع رايتها، والمعارك التي حدثت
قبيل الاستقلال كلها أهلية نازل فيها اللبناني أخاه اللبناني، والجهاد الذي حدث لم
يخالطه من الروح الوطني ولا نسمة دماء تعصب ومعارك صليبية وجهاد طائفي، تلك
مقدمة الاستقلال اللبناني أو مقدمة المؤتمر الدولي الذي التأم في بيروت في حزيران
سنة 1861 وقرر للبنان حالته السياسية الحاضرة.
(فانظر يا مولاي ما هي مقدمات الاستقلال اللبناني الداخلي؛ تعلم سر
اختلال اللبناني في حكومة نفسه سر اختلال اللبناني في حكومته لنفسه أو سر
الاختلال السياسي في لبنان هو الفساد الاجتماعي الذي كان مصدرا لمقدمات
الاستقلال. فالإصلاح في لبنان يجب أن يكون اثنين: إصلاحا اجتماعيا ينتهي
بالإصلاح السياسي الاختياري وإصلاحا سياسيا يستمر حتى تستقر نتيجة الإصلاح
الأول. ما استقلت (يا مولاي) الأمة اللبنانية وهي قادرة على سيادة نفسها ولكنها