المدرسة التي اقتبس منها تلك الأفكار العالية التي انقضت عليه بسببها صواعق
غضب الطبقة العتيقة من المسلمين.
ويضاف إلى ما تقدم أن ذلك الشاب ملم بما يحدث الآن في القطر المصري
من التقدم العلمي وهو في مقدمة المعجبين بالشيخ محمد عبده قاضي القضاة في
مصر [2] الذي هو من أكابر المسلمين ذوي الأفكار النيرة التي توافق المدنية ومن
ثقاتهم وله مؤلفات وفصول في الجرائد تشهد بسعة اطلاعه يقصد بها إعادة الإسلام
إلى ما كان عليه من الرونق وتطهيره من التقليد والبدع التي من شأنها أن تغرس
في القلوب التعصب الديني وعدم الاحتمال والتسامح وتجعل بين العالم الإسلامي
والمدنية سدا منيعا.
هذه الخطة تسير عليها جريدة مصرية تدعى (المنار) يكتب فيها الشيخ
محمد عبده بدون أن يذيل كتاباته بإمضائه وهي حريصة على ملازمة خطتها هذه
حرصا يزداد كل يوم.
إن النشء الإسلامي في هذا العهد - ومنه الناشئون في تونس - قد أيقنوا أن
لا تكون نهضة للسلالة العربية إلا ببث مثل تلك الأفكار؛ ولهذا تلقت كتابات الشيخ
محمد عبده ومقالاته بالصدر الرحيب، ومن واجبات الحكومة التونسية في هذا
الوقت الذي تنبه التعصب فيه من سباته بالبلاد المراكشية وزعزع عرش سلطان
متهم بشدة الميل إلى الحديث أن تساعد بما في وسعها من الجهد الأفكار التي من
شأنها بث مبادئ الاحتمال والتسامح بين طبقات العالم الإسلامي ولكنها بدلا عن ذلك
عاملت الرجل الذي لم يخش بأسا بالمجاهرة بأفكاره معاملة الساعي في غرس بذور
الفتنة بل معاملة أحقر الناس وأدناهم؛ إذ طردته طرد الأشقياء فأصبح على قارعة
الطرقات لا مال في يده ولا أمل في قلبه.
ولو أن هذا الرجل حاول أن يقلب معالم الدين الإسلامي أو لو أنه أبدى من
الأفكار والخواطر ما يخالف مبادئ وقواعد هذا الدين لقلنا: إن الحكومة التونسية
رامت المحافظة على الأمن العام والسلام بين الناس فاتخذت قبله وسيلة من وسائل
الشدة والجبروت لتكون العبرة الزاجرة، ولكنها اضطهدته اضطهادا ديني الصبغة
في حين أن حماية فرنسا على تونس تفيد تصدي دولة متمدنة لإفاضة أنوار العلوم
على جموع من الناس في حاجة إلى التعلم والترقي وأي جناح على رجل لجأ إلى
الأحاديث النبوية الشريفة مستشهدا بها على فساد ما تذهب إليه العامة من ضرورة
إرسال الهدايا إلى أضرحة الأولياء لكي تنال المنافع بحسن تأثرهم في أحوال
المعيشة اليومية.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث له (لا تتخذوا قبري وثنا) .
وحقيقة الأمر أن ذنب الشيخ محمد شاكر الذي لا يغتفر ولا يعفى عنه بسببه.
هو تجرؤه على المس بعادات يتخذها مشايخ الزوايا والمستفيدون منها مصدرا من
مصادر الكسب ويرون أن سيئول أمرها إلى النضوب إذا سادت الأفكار التي يسعى
الشيخ في بثها بين طبقات العامة.
قلنا: إن الشيخ محمد شاكر كان أستاذا في صفاقس وإن الزاوية التي كان يقوم
فيها بوظيفته تسمى بزاوية سيدي (كراي) التي يرى العامة في الولي المدفون بها أنه
الحامي لتلك البلدة والتي قد استفادت سلالته بشهرته فعكفوا إلى الآن فيها يستأثرون
بالنذور التي تقدم إليه وهم يعيشون بواسطتها في نعيم ورخاء فلما اطلعوا على ما
كان يلقيه الشيخ محمد شاكر للطلبة من الأفكار المغايرة لمصلحتهم ثارت عليه
ثورتهم فبدؤوا أولا برفع الشكوى إلى كل من القاضي والمفتي اللذين استدعيا إليهما
الأستاذ وأنبوه على الخطة التي انتهجها في التدريس فأراد الشيخ أن يقيم لهم الدليل
على أنه لم يمس الدين بشيء مستشهدا بالكتب مؤيدا حجته بأقوال السلف الصالح
ولكنه عبثا جاهد في هذا السبيل؛ لأن المناقشة بينه وبين القاضي انتهت بقول
هذا الأخير له إن الضوء لا يأتي من أعمى فأجاب الشيخ محمد شاكر: (وأنا أدعو
أن يخلص الناس من عمايتهم) فاعتبر القاضي أن هذه الإجابة شبه فاضحة له