تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت رابطة الوحدة في الاجتماع البشري محصورة في البيوت (العائلات)

ثم اتسعت فصارت في القبائل، ثم اتسعت بناموس الترقي فكانت الشعوب والأمم

الكبيرة التي وحدتها الجنسية باللغة أو الدين أو البلاد (الوطن) وكان الدين خاصا

لا يتعدى الشعب الذي وجد فيه إلى أن ظهر الإسلام فإن في الأناجيل المعتمدة عند

النصارى إلى اليوم أن المسيح عليه الصلاة والسلام قال:

(لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة) وقال: (ما جئت لأنقض الناموس

وإنما جئت لأتمم) والناموس هو شرع الإسرائيليين الخاص بهم وتتميمه ببيان الحق

فيما اختلفوا فيه منه وفي بيان أسراره والتوسع في القسم الروحاني منه، وأما ما

ينقلونه عنه من أنه قال: (اكرزوا بالأناجيل في الخليقة كلها) فهو مخالف لما تقدم

في الظاهر ويمكن أن يتفق معه بجعل (أل) في الخليقة للعهد أي الخليقة المعهودة

وهي الأمة الإسرائيلية حيث كانت وأين وجدت.

بعد هذا استعد البشر بناموس الارتقاء إلى وحدة أوسع من كل ما تقدم - إلى

وحدة يمكن أن تدخل فيها جميع الشعوب والقبائل والأمم والأجناس المختلفين في

البلاد واللغات والأديان - إلى وحدة لها رابطتان (إحداهما) جثمانية اجتماعية

عمرانية دنيوية، وهي أن يحكموا بشريعة عادلة تساوي بينهم في الحقوق لا يمتاز

فيها كبير على صغير ولا غني على فقير ولا عربي على عجمي ولا متدين بدين

على متدين بغيره. (وثانيتهما) روحانية أخوية أخروية تختص بمن يجمعهم

الاعتقاد الصحيح المبني على البرهان الصريح، وهذه الوحدة هي الوحدة التي جاء

بها الدين الإسلامي وعمل بها المسلمون في الصدر الأول فكان المخالفون لهم في

الدين يفضلون حكمهم على حكم المتحدين معهم في الدين واللغة والوطن، ولم توجد

المساواة ولا العدالة الصحيحة إلى اليوم إلا في الإسلام، فهذه الدول الأوربية الراقية

بالوطنية لا تساوي بين أبنائها وأهل مستعمراتها في الأحكام، بل ألزمت الحكومات

الضعيفة في غير بلادها بالخروج عن العدل والمساواة وتمييز أجناسها على رعايا

كل حكومة من تلك الحكومات، فالمصري يقتل في مصر إذا قتل أجنبيا ولكن

الأجنبي لا يقتل بالمصري، وقد كنا أوضحنا هذا المبحث في مقالة عنوانها

(الجنسية والدين الإسلامي) فلتراجع في هذا المجلد الثاني من المنار، وفي سائر

مجلدات المنار مباحث كثيرة تؤيد هذه المسائل المتفرقة وتعضد القضايا المتعددة في

هذا المقال.

فتبين بمجموع ما تقدم أن الوحدة التي جاء بها الإسلام هي أعلى ما يترقبه

البشر , وأفضل ما يتوجهون إليه ولكن الرياسة الروحية في الديانة النصرانية التي

جعلت الدين مصلحة من المصالح ينتفع بها الرؤساء، وخروج الحكام المنتسبين

للإسلام عن قواعدها هما السدان المانعان من انتفاع البشر بها وستدك الحرية السدين،

ويجمع البشر بالإسلام بين السعادتين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

تتمة الاجتماع الثاني عشر لجمعية أم القرى

قال (الأستاذ الرئيس) : ها نحن أولا قد استوفينا قراءة القانون للمرة الثانية

ولم يستدرك عليه أحد من الإخوان شيئا فهل أنتم مقروه؟ فأجاب جميع الأعضاء:

نعم نقره.

قال (العلامة المصري) : إني بالنيابة عن هيئة الجمعية أشكر لحضرة

الأستاذ المكي الرئيس براعته في حسن إدارة الجمعية، كما أنني أقدر للمدقق

التركي ورفقائه واضعي سانحة القانون قدر فضلهم وحسن إحاطتهم.

وإني لأرى في هذا القانون أشبه نور بين القضايا والسطور نور يشرق

على المنارات فيبدر الأهلة ويبهر النسور، نور معقود اللواء لنشأة جديدة وحياة

حميدة وعاقبة سعيدة، نور يمزق ديجور القبور ويحيي ميت الشعور، وما ذلك على

الله بعزيز.

قال (المحقق المدني) : بمناسبة أني جار النبي صلى الله عليه وسلم أرى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣٢