الإسلامية في كل الأقطار كقول الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) عند ذكر التأويل: (إنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع
العقلي والظاهر السمعي؛ فإما أن يصدقهما وهو محال لأنه إبطال للنقيضين،
وإما أن يكذب القاطع العقلي ويرجح الظاهر السمعي وذلك يوجب تطرق الطعن في
الدلائل العقلية، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوة والقرآن، وترجيح الدليل
السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معا، فلم يبق إلا أن يقطع
بصحة الدلائل العقلية ويحمل الظاهر السمعي على التأويل) اه ثم إنه أقام الدليل
بهذا الوجه على المعتزلة في مسألة التكليف لأنهم يتفقون مع أهل السنة فيه.
هذه المسألة مشهورة عند علماء المسلمين لا تحتاج إلى تأييدها بنقول ولكن
فشت بيننا في هذا العصر مطبوعات المشككين في الدين؛ فإذا نقل المسلم عبارة من
أصول دينه يقولون: إن هذا من عنده ولا يبعد أن يوجد من الجاهلين من يغتر
بأقوالهم، وقد تقدم في مقالات (الإسلام والنصرانية) أن الأصل الثاني للإسلام
تقديم العقل على النقل عند التعارض، وهذا دليله من القرآن ومن كلام بعض الأئمة
ولو أردنا سرد النقول من المواقف والمقاصد وسائر كتب الكلام والتفسير ومن كتب
المتأخرين كحواشي الباجوري والرسالة الحميدية لأطلنا الكلام في معنى واحد.
* * *
(الشكوك في المسألة)
فإن قيل: إن الإمام الغزالي بعد أن أظهر تهافت الفلاسفة في أدلتهم النظرية في
علم الله تعالى قال: (فإذن ليس ينفك فريق منهم عن خزي في مذهبه وهكذا يفعل
الله بمن ضل عن سبيله، وظن أن الأمور الإلهية يستولي على كنهها بنظره وتخيله)
فهل يدل هذا القول على أن الدين غير مقبول أم لا؟
فالجواب: أنه ليس من مقتضى الدين ولا من مقتضى الفلسفة الوقوف على
كنه الخالق وحقيقته، وكنه صفات البارئ وحقيقتها، وإذا عجز الحكماء والعلماء
عن معرفة كنه الأجسام المشاهدة فكيف يطمع الطامعون بمعرفة كنه خالق الأجسام
بأدلة نظرية وتخيلات شعرية؟! هذا شيء لم يكلفنا به الدين، فيكون قول الغزالي
بإنكاره على الفلاسفة دليلا على أن الإسلام يكلف الناس بغير المعقول كما يزعم
المشكك.
ومثل هذا قوله في هذا البحث (بحث العلم الإلهي) مخاطبا للفلاسفة بعد
إظهار عجزهم وتهافتهم: (المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور
بالبراهين القطعية وتشكيككم في دعاويكم، وإذا ظهر عجزكم ففي الناس من يذهب إلى
أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل بل ليس في قوة البشر الاطلاع عليها
ولذلك قال صاحب الشرع صلوات الله عليه: (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في
ذات الله) اه.
فهذه الجملة من الإمام الغزالي كالجملة السابقة خاصة ببيان عجز البشر عن
إدراك حقيقة البارئ وحقائق صفاته.
وقد مرت القرون والأجيال وستمر قرون وأجيال أخرى إلى أن ينقضي عمر
البشر ولا يصلون إلى معرفة حقيقة الله وحقيقة علمه وسائر صفاته، وهكذا
قال صاحب مقالات (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) قال (ص544 من
المنار) : لا بد أن ينتهي أمر العالم إلى تآخي العلم والدين، على سنة القرآن والذكر
الحكيم؛ ويأخذ العالمون بمعنى الحديث الذي صح معناه، (تفكروا في خلق الله ولا
تفكروا في ذات الله) وعند ذلك يكون الله قد أتم دينه ولو كره الكافرون، وتبعهم
الجامدون القانطون (فكلام الإمام الغزالي وكلام هذا الإمام واحد لا فرق بينهما، ولو
كان الإسلام كلفنا بأن نعرف كنه ذات الله تعالى وكنه صفاته لكان مكلفا لنا بما لا يعقل ولا يستطاع ولكن الله يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) .
هذا وإن الإمام الغزالي لم يقصد بكتاب (تهافت الفلاسفة) الذي نقلنا منه تينك