جميع الكتاب من المسلمين والمسيحيين يوافقوننا على محاربة هذا الهذيان
الضار.
وقد اتفق لبعض الكاتبين السوريين في البرازيل أن كتب في (المناظر) كتابة
في الدعوة إلى الوطنية، ونبذ التعصبات الدينية، ثم اتفق له أن رأى في المنار كلمة
في (حدث السياسة) ووطنيته فظن أنه المعني وطفق يرد علينا ملقبا إيانا (بكهل
السياسة) وعساه يطلع على هذه النبذة فعلم أنه ليس المعني بالحدث وإننا لسنا من
السياسة في شيء، وإننا إن كنا ندعو المسلمين إلى النهوض باسم الإسلام، فإنما
ندعوهم إلى العلم والتعليم والتربية التي تقضي بها حالة العصر لا على السياسة
وأحزابها وعصبياتها وملوكها وأمرائها، نرى المسلم في تركيا وروسيا والهند
والجلوه ومصر وتونس والجزائر وفي سائر الأقطار متأخرا في العلم والتهذيب
والعمل النافع. ونرى أن للتقاليد تأثيرا في هذا التأخير فهو يتوهم أن ذلك من الدين
ونحن نعلم أن الدين ضده فنحن ندعوه باسم الإسلام الحقيقي إلى نبذ الوهم أو
تحصيل العلم ليجاري مجاوريه في سبيل الحياة، ولا يمكن أن ندعوه هذه الدعوة
باسم الوطنية بأن مجلتنا ليست سياسية ولا تجارية ولا زراعية لتحث أهل الوطن
الواحد على الاتفاق في ترقية هذه الأمور باسم الوطن، على أننا لا نقصر في
الدعوة إلى التأليف، بل هو أمر عرفنا به ولا نعرف كاتبا عربيا كتب فيه
ما كتبنا.
***
(التعصب الديني والجرائد والمجلات)
التعصب الديني بمعنى الاعتصام به، والاستمساك بعروته فضيلة هي أم
الفضائل، والتعصب بمعنى إيذاء المتدين لمن يخالفه في دينه رذيلة تتولد منها
مصائب كثيرة لا سيما إذا أنشئت لهذا التعصب جرائد ومجلات تدعو إليه وتحركه،
والتعصب بالمعنى الأولى قوي عند المسلمين لا يساويهم فيه أحد حتى في هذا الطور
الذي هم فيه الآن طور الضعف والتأخر، والتعصب بالمعنى الثاني لا يسلم منه أهل
ملة ولكنه عند المسلمين أضعف منه عند غيرهم ولا سيما النصارى.
انظر ترى المسلمين أكثر من تسعة أعشار أهل القطر المصري، ولكنه ليس
لهم جريدة دينية ولا مجلة ملية إلا المنار وهو حديث العهد فيهم. والنصارى لهم فيه
عدة جرائد ومجلات دينية على قلة عددهم. واقرأ هذه الجرائد والمجلات تجدها
ملأى بدعوة المسلمين إلى النصرانية والطعن بالإسلام ولا ترى في (المنار
الإسلامي) دعوة للنصارى إلى ترك دينهم والدخول في الإسلام، وقد مرت عليه
ثلاث سنوات من أول نشأته وهو معرض عن الرد على المعترضين والقادحين في
الإسلام، على كونهم يرسلون إليه كتبهم وجرائدهم؛ لأننا لم نكن نرى المسلمين
مبالين بها فأحببنا بقاء ذلك السكون بالسكوت عنهم. ولكننا لما رأينا سوء تأثير
بعض الكتب والمجلات فتحنا في المنار بابا لرد شبهات المسيحيين، التزمنا فيه
الأدب والحجة وما كنا معتدين.
أليس عجيبا أن تسعة ملايين من المسلمين في مصر ومئات من الملايين في
غيرها لا تعرف لهم إلا مجلة دينية واحدة، ويوجد في كل قطر من أقطارهم جرائد
ومجلات كثيرة لأولئك الشراذم الذين يساكنونهم وهم أقل منهم عددا ومالا وتمسكا
بالدين؟ نعم، إن هذا عجيب وأعجب منه أن جرائد الشراذم الصغيرة تعتدي على
تلك الملايين الكثرة، وتطعن بدينهم وتدعوهم إلى تركه واتباع دينها. وإن تعجب
فهناك ما هو أعجب من الأمرين، وهو أن المسلمين يشتركون بتلك الجرائد
ويعضدونها بإقبالهم عليها! ! وهم يعلمون أن النصارى لا يكادون يشتركون بجريدة
صاحبها مسلم إن لم تكن دينية إلا لغرض شخصي ونحوه! ! وأما المجلة الدينية
الإسلامية الوحيدة وهي (المنار) فليس لها من المشتركين المسيحيين إلا اثنان من
القبط (وكان لهم ثالث اشترك ثلاث سنين ولم يدفع شيئا من قيمة الاشتراك فرمج
اسمه) وخمسة من السوريين، وفي ذلك عبرة للمعتبرين.
ومن العبر التي هي إحدى الكبر، ما جاءت به (الجامعة) في الأيام الأخر،