القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع ذلك، وأولوا
ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا: أراد به إزالة موت الجهل بحياة العلم وأولوا
تلقف العصا لسحر السحرة بإبطال الحجة الإلهية الظاهرة على يد موسى شبهات
المنكرين، وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده00 وزعموا أنه لم يتواتر) اه
بنصه.
ولينظر طلاب الحقيقة إلي تحريف صاحب الجامعة النصرانية قول الإمام
كيف كان، الإمام قال (وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث إنه ينتفى عليها
إثبات المعجزات) ومعناه أن محل النزاع في المسألة الأولى هو انتفاء إثبات
المعجزات بجعلها من المحالات العقلية التي لا يمكن وجودها ولا تتعلق قدرة الله
بها، وصاحب الجامعة يقول على لسان هذا الإمام ما نصه: ثم قال: وإنما يجب
علينا إنكار هذا القول؛ لأنه ينتفي به إثبات المعجزات) فجعل (الإنكار) محل
(النزاع) وزاد عليه جعله واجبا وقد بينا الفرق بين الإنكار والنزاع آنفا، فإذا كان
نقل صاحب الجامعة عن رينان وعن غيره على هذا النحو من الفهم والأمانة فإننا نهنئ من يقرأ ما يكتبه بأن علمه عين الجهالة، وهدايته نفس الضلالة، ثم قال الإمام الغزالي في بيان الحق في المسألة من طريق العلم المؤيد لما يعتقده المسلمون
ما نصه (الاقتران بين ما يعتقده في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا
بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر
ولا نفيه متضمن لنفي الآخر فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من
ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق
ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء،
وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا إلي كل المشاهدات من المقترنات
في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله
سبحانه لخلقها على التساوي لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفرق بل في
المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحياة مع جز
الرقبة وهلم جرا إلي جميع المقترنات وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته، ثم
ضرب لذلك مثالا واضحا حاجة لذكره.
وما ذكره الإمام الغزالي هنا هو ما عليه فلاسفة هذا العصر فإنهم لايقولون بأن
شيئا من هذه الأشياء عندهم ممكن، انفكاك التلازم وقع كثيرا ويسمون ما لا يعرفون
له منه علة (فلتات الطبيعة) وبعض الانفكاك كان بما اكتشفه العلم من أسرار الكون
ويتوقعون بهذه الاكتشافات ما لم يقع كإحياء الموتى ولو كان في نظرهم محالا لما
توقعوه، ولكن صاحب الجامعة لا يميز بين الضروري والممكن فيخلط المسائل
بعضها ببعض، وقد صرح الغزالي فيما تقدم آنفا بأن المتلازمين في العقل تلازما
يثبت به أحدهما بثبوت الآخر وينتفي بانتفائه هما اللذان يستحيل انفكاك تلازمهما لأن
قدرة الله تعالى لا تتعلق بالمستحيل.
***
الوفاق بين قولي الغزالي ومذهب باكون
تقدم أن الغزالي قال في كتاب التوكل أن سنة الله في نظام الكون هي أن
الأسباب مرتبطة فيه بالمسببات ارتباطا كليا لا يختل إلا إذا لم تستوف الشروط التي
يتحقق بها السبب حتى قال إن السبب يتلو المسبب عند عدم المانع (لا محالة)
وفسر مثل قوله تعالى ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الفتح: 23) بهذا النظام في
الارتباط بين الأسباب والمسببات وهو التفسير المتعين، وقال في كتاب تهافت
الفلاسفة: إن هذا الارتباط بين الأسباب والمسببات العادية على اطراده ليس
بضروري في نظر العقل وعدمه ليس محالا وإنما هو ثابت في الواقع ونفس الأمر
بحكمة خالق الكون ومدبره وإذا كان الله قد أحكم بحكمته الروابط بين حوادث الكون
فينبغي للناس أن يبحثوا عنها ويهتدوا بها في مصالحهم ومنافعهم ولا يتوقف هذا
الاهتداء على كون كل ما يظهر في العادة سببا لشيء أن يكون انفكاكه عنه محالا