تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بشروط آخر في الباطن وأسباب من المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها

وربما يفوت بعض الشروط فيتقاعد الدواء عن الإسهال، وأما زوال العطش فلا

يستدعي سوى الماء شروطا كثيرة، وقد يتفق في العوارض ما يوجب دوام العطش

مع كثرة شرب الماء لكنه نادر، وإختلال الأسباب أبدا ينحصر في هذين الشيئين

وإلا فالمسبب يتلو السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب) اه بحروفه.

فأي نص في التلازم بين الأسباب والمسببات أقوى من هذه الجملة الأخيرة؟

فهذا هو الإمام الغزالي الذي يوهم المسلمين صاحب الجامعة بأنه ينكر الأسباب

وينكر أن معنى سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول الأسباب وارتباطها بالمسببات،

فهل بعد هذا يوثق بقول صاحب الجامعة أو بحسن قصده؟ وهل يجوز لغير العالم

الراسخ أن ينظر في قول هذا المشكك الذي يريد أن يفسد على عوام المسلمين

عقائدهم؟ ؟

***

التوفيق بين هذا وبين ما قاله

في تهافت الفلاسفة

مسألة الأسباب التي شرحها الإمام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل هي ما

يعتقده المسلمون، وإنما كتبها للمسلمين لأنه بين في هذا الكتاب مقام التوكل الذي

هو أعلى مقامات الإيمان، وله كلام آخر في هذه المسألة مع الفلاسفة لا مع

المسلمين، وكلامه هناك يجب أن يكون بلسان يخالف هذا اللسان ولكن لا يناقضه

ذلك أنه هنا يشرح الواقع الذي يدل عليه الوجود وينطق بموافقته الشرع وهناك

يتكلم على العلل والتأثيرات الحقيقة في الإيجاد والإعدام وما قاله في الموضعين هو

الحق الذي لا محيد عنه كما نبينه.

ولا بد قبل الخوض في القسم الثاني من كلمة تمهيدية في الموضوع وهي أن

المغرورين بالظواهر من الفلاسفة المتقدمين كانوا ينزلون الأسباب العادية الظاهرة

منزلة العلل العقلية القاطعة وينسبون إليها التأثير ويزعمون أنها مطردة اطرادا

ضروريا يستحيل انفكاكه، ولو نهضت لهم الحجة البالغة على ذلك لما خالفهم

المسلمون؛ لأن القاعدة المتفق عليها عند المتكلمين هي أن قدرة الله تعالى وإردته لا

تتعلقان بالمستحيل وإنما تتعلقان بالممكن فقط، ولكن لا حجة لهم على ذلك وإنما

هي شبهات كشف الحجاب عنها الغزالي وغيره، وتلك الأسباب التي مر القول في

اطرادها ممكنة فهي مطردة بفعل الله تعالى.

ولو سلم الناس بقول أولئك الفلاسفة لوقفت حركة العلم عند تلك الظواهر

التي كانوا يرون تغييرها محالا عقليا وإنما المحال العقلي شيء واحد وهو اجتماع

النقيضين أو الضدين المساويين للنقيضين أو ارتفاعهما، ولو أن هذه الغرائب التي

كشفها العلم في عصرنا ذكرت لأولئك الفلاسفة القاصرين لجزموا باستحالتها

وأوردوا على ذلك من الشبهات النظرية مثلما أوردوه على القول ببعث الأجساد،

وأمثلة بعث الأجساد ظاهرة اليوم لعلماء الكيمياء ظهورا تاما، قال الإمام الغزالي

في كتاب تهافت الفلاسفة ما نصه: (هذا ما أردنا أن نذكره في العلم الملقب عندهم

بالإلهي، أما الملقب بالطبيعيات فهي علوم كثيرة نذكر أنواعها لتعرف أن الشرع

ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها إلا في مواضع) وأنبه القارئ إلى عطفه

الإنكار على المنازعة لتغايرهما، فالإنكار هو القول ببطلان الشيء مرة واحدة

والمنازعة هي المباحثة في دليله ليظهر الصواب مأخوذة من منازعة الثوب بين

اثنين، ثم قال الإمام بعد سرد أنواع العلوم الطبيعية المعروفة إلى ذلك العهد:

وإنما نخالفهم من جملة هذه العلوم في أربع مسائل:

(الأولى) حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب

والمسببات اقتران تلازم بالضرورة فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب

دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب وأثر هذا الخلاف يظهر في جميع

الطبيعيات، إلى أن قال ما نصه: وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث إنه ينتفي

عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى وشق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٨٣