تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البلوري، نعم إني على يقين من أن مشاهدة ما يكون في مثل هذه المعاهد من

التماثيل والصور، ومثل المعابد والمباني الأثرية العامة لا تعين التلميذ على فهم

شعر عمير وفرجيل، ولكن اليونانية واللاتينية إذا اقترن تعليمهما بتعليم تاريخ

قومهما وما يشهد لهم من دلائل التقدم القديم لا تبقيان لغتين مندثرتين اندثارا تاما كما

لو علمتا مجردتين.

ذلك أن لفنون الرسم من التأثير في نفوس الناشئين ما هو فوق المظنون بها

كثيرا بسبب إجالتها للعقل في آثار الغابرين وسموها بالنفس في أعمال الماضيين

ولأن سن الإيقاع هو السن الذي يسهل فيه اندماج اليافع في شخص غيره لسبب

سهل الإدراك وهو أن معنى الاستقلال الذاتي لا يظهر في هذا الطور من الحياة

فبكثرة هذا النوع من المعيشة مع اليونان والرومان فيما بقي من آثارهم ينتهي

التلميذ بأن يهتم بأخلاقهم وعاداتهم وشئونهم قبل أن يعرف لغتهم فتراه يتابع بعقله

الأسطول اللاتيني في سلامين [10] ويشهد خلف بومباي [11] واقعة فرسالا [12] , ولا

يسبقن إلى خاطرك أن هذا الوجود الفكري فيما غير من الزمن ليس هو إلا وهما محضا فإنه لا شيء مما كان في الماضي قد مات موتا تاما.

لم تجد طريقتنا في تعليم اللغتين اللتين نحن بصدد الكلام عنهما فإنها لا تزال

عليها مسحة من تعليم القرون الوسطى وهي التي طبعها عليها القسيسون والرهبان؛ إذ

لا تزال العقبات تقوم في سبيل دراسة آثار الأقدمين دراسة صادقة وأولها ما للدين

المسيحي من الأوهام والوساوس في آلهتهم التي تراه على قهره إياها لا يزال يعتقدانها

مضرة حتى في انهزامها أمامه فإن رجال هذا الدين مع استئثارهم على توالي القرون

باللغات القديمة واحتكارهم معرفتها كانوا يعنون في تعليمهم بإزهاق ذلك الروح الذي

ألهم الصناع ما ظهر على أيديهم من تحف الصنائع وطرفها وكانت فنون الوثنيين

وآداب لغاتهم من الغنائم التي اهتم أولئك الرجال بحفظها غير أنهم كانوا يحترسون

كل الاحتراس من إظهار آخر ما اكتشفوه من أسرارها للأحداث وكان من مصلحتهم

أن لا يزيلوا عن تلك الأسرار إلا طرفا من حجابها؛ لأنه كان لا بد لما يعيه الخلف

من آثار السلف أن يردهم يوما ما إلى عبادة الطبيعة وجمالها ومن أجل ذلك كان

رؤساء الدين لا يفتأون يذكرون الناشئين بأن آلهة الوثنيين آلهة باطلة لا أصل لها إلا

الكبرياء والكذب وأنه لا ينبغي النظر إليها إلا من بعيد مع الاسترشاد في ذلك بهدي

الدين المسيحي.

أنا لا أحترس كل هذا الاحتراس في تعليم (أميل) تينك اللغتين وإقراءه

كتبهما؛ إنه لا بد لمن يزاول دراسة أمر من الأمور أن يكون له فيه شيء من الاعتقاد

فما ضره لو أنه أخلص في الاشتغال بهرقل [13] وأعماله ومن ذا الذي ينقم منه إن قدم

قربانا للآلهات العفيفة [14] ولمنروة [15] الحكيمة الأبية فإن في كشف حقيقة

الأشخاص الخرافيين الذين وجدوا في خيال الأقدمين وكانت حياتهم ملائمة كل

الملائمة لخيال اليافعين وإزالة الوهم من عقول هؤلاء في شأنهم في ذلك تعجيلا

بزعزعة عقيدتهم في النوع الإنساني , ولا يظن ظان أني أقصد بما أقول أن

أوقف (أميل) عند الوثنية فإني إنما أريد بهذا القول أنه لا بد لمن يريد النفوذ إلى

أسرار لغة قوم من اختلاس آلهتهم. اه

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) معرب من باب تربية اليافع من كتاب أميل القرن التاسع عشر.

(2) فرجيل هو شاعر لاتيني شهير ولد سنة 70 ومات سنة 19 قبل المسيح.

(3) عمير هو أشعر شعراء اليونان الأقدمين لا يعلم مكان ولادته ولا تاريخه كذا كتب المعرب والمعربون لسريونة يعربون (هومير) ويكتب بالقلم الإفرنجي hommer-ere.

(4) قراقوش حاكم روماني اشتهر في أسبانيا ورزق بولدين سميا بالعراقيين وكانا من قضاة الشام.

(5) برونوس أحد قتلة القيصر الروماني، وأما قانون أتيقا فهو حفيد قانون القديم وهو ضابط روماني شهير كان من حزب بومباي، وبعد أن شهد معه واقعة فرسالا انطلق إلى أفريقيا وقتل نفسه.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٦٣