تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسمعوننا من أصواتهم ويشهدوننا من أساهم ما يقوي عزيمتنا على السعي وراء

الحرية التي هي غاية النفوس الأبية.

لا أنازع في أن معرفة اليونانية واللاتينية قد تكون من الرياضيات النفسية

المفيدة ولكني أقول: إن لرياضة النفس وتربية العقل طرقا شتى وإن من الظلم

الفاحش قصر معنى التعليم على فرع واحد من العلوم فقد يكون الإنسان عالما يشار

إليه بالبنان، وخطيبا باهر البيان وسياسيا حصيف الجنان (وفي أمريكا ما يشهد

لصحة ذلك) وهو لم يقرأ في حياته كتب أرسطو [7] ولا ديموستين [8] ولا سيسرون [9]

باللغة التي ألفت بها , ذلك أن مراقبته بنفسه للأمور ومعاملته للناس واختلاطه

بهم ودراسته لآداب لغته واستعداده الفطري كثيرا ما تغنيه عن الزخارف المدرسية

فرأيي هو أن الأحوال التي تحتف بالطفل وما يكون فيه من القوى والملكات الذاتية

هي الواجب التعويل عليها في تحديد الطريقة التي ينبغي سلوكها في تربيته، فإن

طرق التعليم إنما أجدت للأحداث ولم توجد الأحداث لها.

لما أعلم حق العلم ضروب استعداد (أميل) ولا حالة عقله حتى أحكم على

أليق أنواع التعليم به وأشدها ملائمة لطبعه والذي أتمناه له هو أن لا يكون بعيدا عن

العلوم ولا عن آداب اللغة ولست أرى من وجوه الاعتراض على الجمع بين هذين

النوعين من المعارف سوى ما يقتضيه تعلم اليونانية واللاتينية من الزمن، فإن

إنفاق سبع سنين أو ثمان من العمر في تحصيل لغتين مهملتين تحصيلا في غاية

النقص غالبا هو إسراف كبير في عصر لا يحصل الإنسان فيه متوسط المعارف

الضرورية إلا بإنفاق معظم حياته، وإني باحث الآن فيما إذا كانت إضاعة ذلك

الزمن الطويل في تحصيلها لازمة لطبيعة الصعوبات التي يصادفها المتعلم فيه أو أنها

ليست من لوازمها وإن من الميسور التغيير فيها والتقليل منها.

أول سبب فيما أرى لطول مدة تعلم هاتين اللغتين هو إفراط المعلمين في

تعجيل تعليمهما للأطفال؛ لأنهم يبدأونهم به قبل أن يكونوا تعلموا أو راقبوا شيئا

بأنفسهم فتراهم لجهلهم كيفية صوغ الألفاظ وتركيب الأساليب التي هي قوالب

المعاني لا يكادون يتمتمون بلغتهم نفسها مضبوطة ولحبسهم بين جدران المدرسة من

نعومة أظافرهم اعتادوا اعتبارها سجنا تتعاقب عليه الأجيال الناشئة تكفيرا لسيئة

جهل آبائهم الأولين فهم لا يعرفون شيئا من الكون، وقد حالت المدرسة بينه وبين

المحاب البيتية والجواذب الأهلية وهي التي كانت تحبب العمل إليهم وتشعر قلوبهم

قدره فأصبحوا لا تصلهم حرارتها إلا من بعيد جدا ففي أول عمل لهم يمرنون به

قواهم الناشئة تفاجئهم ألفاظ وحشية وصيغ نحوية وتراكيب مجهولة فيتصيدون اتفاقا

بأيديهم العسراء من محابرهم الكدراء ضروبا من مخالفة القياس وأنواعا من ضعف

التأليف تجري بها أقلامهم , ولا تدركها أفهامهم , فرحمى لهم من حيارى ذاهلين لا

ينفعهم تعاقب التمارين ولا تتابع الأمثال فليس تكرار الأغلاط والخطئآت الواحدة في

تعلم لغة مجهولة هو الوسيلة إلى إصلاحها.

أنا أحب أن يرى ولدي قبل تعلم اللاتينية شيئا من العالم وأن ينفتق ذهنه

باحتكاكه بالصناعة ودراسته تاريخ الموجودات، فإن كل واقعة روقبت تولد في

نفس مراقبها لذة وتنمي فيه الحاجة إلى المعرفة فإذا حصل له بكسبه بعض معان

بينة صار بهذه الواسطة أحسن استعدادا لفهم ما يتلقاه عن غيره من المعاني ولو ظهرت

في صيغ مهمة من الألفاظ، ثم إن من أسباب طول المدة التي تقضى في تعلم

اليونانية واللاتينية على ما أرى أن المربين يعلمونهما للأطفال قبل أن يطلعوا على

شيء من أحوال الرومان واليونان والإنسان لا يحسن تعلم لغة قوم إلا في بلادهم،

ومن أجل ذلك سأهتم عند تعليمهما (أميل) بأن أجعل له من آثار أهلهما بلادا

يتعلمهما فيها , وفي هذا المقام تظهر فائدة إنشاء معاهد التعليم التي من قبيل القصر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٦٢