تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(85) الخور في الطبيعة أي سقوط الهمة (86) الاعتزال في الحياة والتواكل.

أما عدم التطابق في الأخلاق بين الرعاة والرعية فله شأن عظيم كما يظهر للمتأمل

المدقق في تواريخ الأمم من أن أعاظم الملوك الموفقين والقواد الفاتحين كالإسكندرين

وعمر وصلاح الدين - رضي الله عنهما - وجنكيز والفاتح وشرلكان الألماني

وبطرس الكبير وبونابرت لم يفوزوا في تلك العظائم إلا بالعزائم الصادقة مع

مصادقة تطابقهم مع رعاياهم وجيوشهم في الأخلاق والمشارب تطابقا تاما بحيث

كانوا رؤساء حقا لتلك الأجسام لا كرأس جمل على جسم ثور أو بالعكس. وهذا

التطابق وحده يجعل الأمة تعتبر رئيسها رأسا فتتفانى دون حفظه ودون حكم نفسها

بنفسها حيث لا يكون لها في غير ذلك فلاح أبدا كما قال الحكيم المتنبي:

إنما الناس بالملوك وهل ... يفلح عرب ملوكها عجم

ومما لا خلاف فيه أن من أهم حكمة الحكومات أن تتخلق بأخلاق الرعية

وتتخذ معها في عوائدها ومشاربها ولو في العوائد غير المستحسنة في ذاتها. ولا

أقل من أن تجاري الحكومة الأجنبية أخلاق الرعية ولو تكلفا وقتيا إلى أن تتوفق

لاجتذابهم إلى لغتها فأخلاقها فجنسيتها كما فعل الأمويون والعباسيون والموحدون

وكما تهتم به الدول المستعمرة الإفرنجية في هذا العهد وكما فعل جميع الأعاجم

الذين قامت لهم دول في الإسلامية كآل بويه والسلجوقيين والأيوبيين والغوريين

والأمراء الجراكسة وآل محمد علي فإنهم ما لبثوا أن استعربوا وتخلقوا بأخلاق

العرب وامتزجوا بهم وصاروا جزءا منهم، وكذلك المغول التتار صاروا فرسا

وهنودا فلم يشذ في هذا الباب غير المغول الأتراك أي العثمانيين فإنهم بالعكس

يفتخرون بمحافظتهم على غيرية رعاياهم لهم فلم يسعوا باشتراكهم كما أنهم لم يقبلوا

أن يستعربوا، والمتأخرون منهم قبلوا أن يتفرنسوا أو يتألمنوا. ولا يعقل لذلك

سبب غير شديد بغضهم للعرب كما يستدل عليه من أقوالهم التي تجري على ألسنتهم

مجرى الأمثال في حق العرب.

ذلك كإطلاقهم على عرب الحجاز (ديلنجي عرب) أي العرب الشحاذين

وإطلاقهم على المصريين (كور فلاح) أي الفلاحين الأجلاف و (عرب جنكنه

سى) أي نور العرب و (قبطي عرب) أي النور المصريين , وقولهم عن عرب

سوريا (نه شامك شكرى ونه عربك يوزى) أي (دع الشام وسكرياتها ولا تر

وجوه العرب) وتعبيرهم بلفظة (عرب) عن الرقيق وعن كل حيوان أسود،

وقولهم (بيس عرب) أي عربي قذر، و (عرب عقلي) أي عقل عربي أي صغير

و (عرب طبيعتي) أي ذوق عربي فاسد، و (عرب جكة سي) أي حنك عربي أي

كثير الهزر، وقولهم (بونى بيارسه م عرب أوله يم) أي إن فعلت هذا أكون من

العرب، وقولهم: (نرده عرب نرده طنبوره) أي: أين العرب من الطنبور.

هذا والعرب لا يقابلونهم على كل ذلك سوى بكلمتين؛ الأولى هي قول العرب

فيهم: (ثلاث خلقن للجور والفساد: القمل والترك والجراد) . والكلمة الثانية

تسميتهم بالأورام كناية عن الريبة في إسلامهم وسبب الريبة أن الأتراك لم يخدموا

الإسلام بغير إقامة بعض جوامع، لولا حظ نفوس ملوكهم بذكر أسماءهم على منابرها

لم تقم , وأنهم أتوا الإسلام بالطاعة العمياء للكبراء وبخشية الفلك أبي المصائب

وباحترام مواقد النيران (أوحاقات) فزادوا بذلك بلات في طين الخرافات.

ثم قال (السيد الفراتي) أرجو المعذرة من المولى الرومي؛ لأنه يعلم أني ما

أفرطت ولولا الضرورة الدينية التي يعلمها لما صرحت، والناصح الغيور من

يبكيك لا من يضحكك. قال (الأستاذ الرئيس) إن أخانا السيد الفراتي خطيب قوال

وفارس جوال، والأبحاث التي أشار إليها ذات ذيول طوال واليوم قد قرب وقت

الزوال فموعدنا غدا إن شاء المولى المتعال.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) من أهم الضروريات أن يحصل كل قوم من أهالي تركيا على استقلال نوعي إداري يناسب عاداتهم وطبائع بلادهم كما هي الحالة في إمارات ألمانيا وولايات أمريكا الشمالية وكما يفعله الإنكليز في مستعمراتهم والروس في أملاكهم اه من هامش الأصل.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٥٩