هذا المجتمع العظيم لما تركوا الاختلاف إليه.
* * *
اختلاف الشريعة باختلاف الزمان والمكان
(س3) م. ر. بمدرسة الحقوق بمصر: يقول أرباب الشرائع والقوانين
إنه يجب في تحقيق عدالتها أن تكون موافقة لأخلاق الأمم وعاداتهم وطبائعهم
ودرجة تربيتهم وأقاليمهم وأحوالهم المعاشية والاقتصادية. فإذا كان الأمر كذلك فلم
لم نشاهد سوى قانون واحد لدى الأمم الإسلامية - الشريعة الغراء - مع أنه يوجد
اختلاف عظيم بين تلك البلاد في العادات والأخلاق والأقاليم؟
(ج) إن علماء الحقوق والقوانين الوضعية إنما يضعون قوانينهم لأهل
السياسة وهم إنما يهمهم من رعاياهم جباية الأموال والأمن من الخروج عليهم لا
سيما إذا كانوا من غير جنسهم، وما يساعد على ذلك من منع التعدي فواضع
القانون يحترم عادات كل قوم وإن كانت ضارة كالسكر والزنا ويخص أحكامه بحفظ
النظام فيها ومنع التعدي وأما الشريعة الإلهية فإصلاح الأخلاق والعادات فيها مقصود
بذاته، وأساس هذه الشريعة درء المفاسد وحفظ المصالح سواء كان ذلك في الأفراد أو
الجماعات وما بينهم من الروابط والصلات، وقد وضع الإسلام على هذا الأساس
أصولا عامة للأحكام لا تختلف باختلاف الزمان والمكان كالمساواة في الحقوق وإقامة
القسط ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، وكون درء المفاسد مقدما على جلب
المصالح، وارتكاب أخف الضررين، وجعل البينة على المدعي، وهي كل ما
يتبين به الحق وجعل الحاكم مستقلا مجتهدا يستنبط الأحكام مع فرض الاستشارة عليه
إلى غير ذلك من الأصول العادلة وبعد هذا كله جعلت العرف محكما كوضع الشرع
ليراعي فيما يختلف من أحوال البلاد والعباد التي لا تخل بمقاصد الشريعة والدين
في التهذيب وتقريب الشعوب بعضها من بعض لتكون الأمم كلها أمة واحدة.
لهذا الذي أجملناه لم تلزم الشريعة الإسلامية أتباعها بالتزام جزئيات الأحكام
التي صدرت في عهد التشريع كما هي بدون مراعاة أساس درء المفاسد وحفظ
المصالح، وقد تقدمت الأدلة على هذا في مقالات (محاورات المصلح والمقلد)
فليراجعها السائل في أواخر المجلد الثالث وأوائل الرابع من المنار، ومنها يعلم أن
هذا الوضع من أسباب جعل الشريعة خاتمة الشرائع ونبيها صلى الله عليه وآله وسلم
خاتم النبيين كما بيناه مرارا بالتوضيح.
* * *
طهارة السبيرتو أو الكحول
(س4) علي أفندي حسني بكمرك السويس: قد ألجأت حالة الوقت إلى
(السبيرتو) في إزالة ما على الملابس والطرابيش من الوسخ والدهن، وقد تردد
الناس في طهارته ونجاسته للشك في أصله، فإن كان نجسا فهل تطهر الطرابيش
المنظفة به بحرارة النار عند كيها أو بكونه سريع الطيران كما يقال؟
(ج) قد أثبتنا من قبل طهارة الكحول بأنواعه في المنار بالأدلة بل هو
أقوى المطهرات على أنه سريع الطيران ولو لم يعرض الثوب على حرارة النار.
والقول بنجاسته وتنجيسه تشديد مبني على فلسفة غير صحيحة.
[راجع ص 500 م 4] .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">