المؤمنة الموقنة بين فتنتين؟ أم من الحكمة أن يكفلها من تصلح له وهو أصلح لها؟
كذلك تظهر الحكمة في زواج صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير
وقد قتل أبوها مع بني قريظة وقتل زوجها يوم خيبر. وكان أخذها دحية الكلبي من
سيد خيبر فقال الصحابة: (يا رسول الله إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح
إلا لك) ، فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بأن تكون أسيرة عند من تراه
دونها فاصطفاها وأعتقها وتزوج بها ووصل سببه ببني إسرائيل وهو الذي كان
ينزل الناس منازلهم وآخر أزواجه ميمونة بنت الحارث الهلالية (وكان اسمها برة
فسماها ميمونة) والذي زوجها منه هو عمه العباس - رضي الله عنه - وكانت
جعلت أمرها إليه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى وهي خالة عبد الله
ابن عباس وخالد بن الوليد فلا أدري هل كانت الحكمة في تزوجه بها تشعب قرابتها
في بني هاشم وبني مخزوم أم غير ذلك.
وجملة الحكمة في الجواب أنه صلى الله عليه وسلم راعى المصلحة في اختيار
كل زوج من أزواجه - عليهن الرضوان - في التشريع والتأديب فجذب إليه كبار
القبائل بمصاهرتهم وعلم أتباعه احترام النساء دون الرجال، ولو ترك واحدة فقط لما
كانت تغني في الأمة غناء التسع، ولو كان عليه السلام أراد بتعدد الزوجات ما يريده
الملوك والأمراء من التمتع بالحلال فقط؛ لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات
المكتهلات كما قال لمن استشاره في التزوج بأرملة: (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك)
هذا ما ظهر لنا في حكمة التعدد، وإن أسرار سيرته صلى الله عليه وسلم أعلى من أن
تحيط بها كلها أفكار مثلنا.
* * *
ترك الملوك والأمراء فريضة الحج
(س2) 1-ع بالأزهر: (من المعلوم أن الحج لبيت الله الحرام فريضة
عينية على كل مسلم استطاع إليه سبيلا وبديهي أن أمراء المسلمين وحكامهم هم
أقدر على الاستطاعة، فلم لا يحجون، وهل هناك مانع شرعي أو ما يوجب
سقوطه عنهم سيما وقد مضى نحو الثلاثة قرون ولم نسمع بملك منهم حج أو
اعتمر. أفيدونا الجواب ولكم الأجر والثواب) .
(ج) لا نعلم لأحد منهم عذرا في ترك هذا الركن الديني العظيم، وقد كنا
شددنا النكير في هذه المسألة في الصفحة 386 من منار السنة الأولى. وإننا نرى
العقلاء من صاروا يلهجون بهذه المسألة، ويقولون ما بال بعض ملوكنا وأمرائنا
كشاه العجم وخديو مصر يذهبون إلى أوربا المرة بعد المرة ولا يذهبون إلى مكة
المكرمة فإذا كان السلطان عبد الحميد يخاف على نفسه من قومه الترك أو من
الأرمن - دون سواهم من رعيته - إذا خرج حاجا؛ لأنه لا يتيسر له من الاحتياط في السفر ما يتيسر له في قصره. وإذا كان سلطان المغرب الأقصى وأمير الأفغان
يخافان على بلادهما من الفتن أو إقامة غيرهما في مكانهما إذا خرجا من بلادهما فما بال غيرهم ممن لا يخشى علي نفسه ولا على بلاده لا يحج. نعم إن الحج
مفروض على التراخي فلا يعترض على شخص بعينه أنه لم يحج لجواز أن يكون لم يؤخر الحج إلا وهو عازم عليه، ولكن يظهر من حال ملوكنا وأمرائنا الحاضرين
أن سيكونون كمن سبقهم من عدة قرون، ويعتقد المشتغلون بالسياسة أن السلطان عبد الحميد لا يرضيه أن يحج شاه العجم ولا أمير مصر وأنه يمنعهما إذا أرادا ذلك
ما استطاع، وكذلك سلطان مراكش لأنه يخاف أن يعملوا في البلاد المقدسة عملا سياسيا كتحويل الخلافة إلى أنفسهم فهذا كل ما نعلمه في اعتذار المعتذرين والله أعلم
بالسرائر.
أما الفوائد التي تكون من حج الأمراء والسلاطين لأنفسهم وللمسلمين فهي كبيرة جدا فإن الاجتماع في تلك البقاع المقدسة هو خير سبيل في تعارفهم وتحالفهم على ما فيه مصلحة الملة والأمة مع بقاء كل منهم في إمارته أو سلطنته. ونعيد ما قلناه في المنار من خمس سنين وهو أنه لو كان لعواهل أوربا وقياصرتهم وملوكهم مثل