والنحرير الذي ليس له نظير، رئيس معلمي قاموس كل علم، علم الأعلام، سند
الإسلام، فضيلة الشيخ محمد عبده - دام علاه - الذي هو كمال المشرق والمغرب
وجمالهما. وإذا راقت الآراء المعدودة من حكمائنا في أعين العرفاء من الإفرنج
فأول تلك الآراء هي تصورات ذاك المولى الكبير - أعني الشيخ محمد عبده جعل
الله إلى أعلى المقامات منتهاه، وإلى أعظم البحور طريقه.
ومن هذه الجملة استنبط حسن حظ المصريين الذين هم إخواننا المسلمون،
واعلم أن شكر هذه النعمة من الواجب، وبعد الأسف الكثير على حال المسجونين
في ظلام الجهل أقول: بخ بخ لمصر التي منحت فوق دار الكتب ودار الآثار
والعاديات والمدارس كنوز معارف من المجلات المضيئة المفيدة، وما أطيب زمن
طلاب جامع الأزهر إذ يحكمون مباني عقولهم وأفهامهم، وينورون ساحات قلوبهم
وأبصارهم بسماع حكمة تلك الكلمات والآيات وجواهر أحاديث الفيلسوف الأعلم،
الجناب المستطاب المعظم، الشيخ محمد عبده سلمه الله تعالى. يحسن من أهل
بلادنا أيضا أن يطلبوا مقدارا من هذه المجلة، ويسرحوا النظر فيها، وإذا نشأ عن
ذلك خطايا فخطاياه في عنقي.
طالت حياة شيخنا الأجل الشيخ محمد عبده إذ فيها خير المسلمين، وإن شاء
الله سنزين أوراق التربية بشرح ذاك مع الفوائد العظيمة من مجلة المنار.
***
(المنار)
لقد سبق أن قرظ المنار من علماء الأقطار وفي خير الجرائد والمجلات
العلمية في مصر وغيرها، ولم نقل من ذلك شيئا لأننا نرى أن ناقل مدحه كمادح نفسه
بنفسه، ولكننا عنينا بتعريب ما كتب في هذه الجريدة (تربيت) ونشرناه لا لأن
صاحب الجريدة من أكابر العلماء والفضلاء، وخيرة الكتاب البلغاء. ولا
لأن الجريدة لها المكانة العالية في نفوس كبراء الفرس وفضلائهم كما أخبرنا بذلك
صديقنا ميرزا مهدي بك صاحب جريدة (حكمت) الغراء بل لأن صاحبها على
مذهب الشيعة، فأحببنا أن يعرف قراء المنار من أهل السنة أن من فضل الله تعالى
على الإسلام والمسلمين أن نزع من قلوبهم في هذا العصر تلك العصبات والتحزبات
التي خضدت بها من قبل شوكتهم، وفرقت كلمتهم، فذهبت ريحهم، وخبت
مصابيحهم، تقشعت الظلمات وانجلت الغياهب عن فضلاء الأمة فأبصروا أن
مصلحتهم واحدة لأن جامعتهم واحدة وهي جامعة الدين الحق الذي جعلهم إخوانا.
صار المسلم في فارس يفرح لأخيه المسلم في مصر إذا أحسن عملا ويحزن لأخيه
في مراكش إذا أساء صنعا، وكذلك حال المصري يبتهج بما يسمع من حسن حال
إخوانه في إيران. ويستاء إذا هضمت حقوقهم في بلوجستان، إلا ما يلغط به بعض
الأحداث، وإن لم يصادف أقل اكتراث، فلا وطنية ولا عصبية في هذه الديانة
الإسلامية، وعلى كل حال يجب أن نشكر لأخينا صاحب جريدة (تربيت) حسن
ظنه بنا وبالمنار على ضعفنا وتقصيرنا. أما ما قاله في الأستاذ الإمام، فهو الذي
اتفق عليه ذوو الأفهام، ولكن الشرط في حصول المراد، هو كمال الاستعداد.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">