مثل هذا المقام، أما مؤلف الكتاب فهو أحد (الفرير) وقد أشار إلى اسمه بهذه
الإشارة (ح. ط.) وأتبعها بهذه العبارة (مفتش اللغة العربية في أحد المدارس
الكبرى بالقاهرة) .
* * *
(المنار وجريدة (تربيت) الفارسية)
جاء في جريدة تربيت الفارسية التي تصدر في طهران تحت عنوان (مجلة
المنار) ما ترجمته: إن العلوم والمعارف في هذا العصر قد بنيت في عمدة أقسام
الدنيا كما ينبغي أن تبنى، وأحكمت كما يجب أن تحكم، ولم يبق إلا القليل من
الأمكنة التي يعيش أهلها بالأوهام الباطلة، والخيالات الواهية، جاعلين عنان
اختيارهم بأيدي أهواء مختلفة ورياح متناوحة، يسلكون المناهج المظلمة عميا لا
يبصرون.
إن معارف الفلاسفة الأقدمين وأفكار العلماء العرفاء من أهل الفروق المتوسطة
قد أصبحت مفاتح لحكماء هذا العصر الجديد حتى سهل لهم بها تذليل الأقفال
الصعبة، وفتح الأبواب الموصدة، وأصبح عمر الإنسان القصير من جراء هذه
الاكتشافات يعد بالألوف من السنين. والعالم يفهم أن بمعنى العيش وحقيقة الحياة
هو العلم، ومن فوائد العلم القدرة على العمل، ومن لا علم له لا قدرة له.
والأشياء التي يرومها الجاهل في عمره ويرجو أن يدفع بها آلامه وأوجاعه
هي التي تولد الأمراض وتضاعف الأوجاع. فحكمها حكم الخمرة التي يشربها
الشارب في جنح الليل لصدع همومه فيحدث في صباحه ما يكثر همومه من الصداع
والكسل، قال أحد عبدة الخمر: إني لم أشرب في عمري غير جام واحد لترويح
النفس، وكل ما شربته بعده فإنما كان لدفع ما أورثته تلك الكأس من الخمول
والخمود.
لا نبعد، فالغرض هو العلم إذ به أصبحت أكثر الممالك في هذا العصر جنات
دانية الجنى، وقد تسلسلت أنهار الفضل ببعضها، وصيرت السراب بحرا متدفق
الجوانب بالأمواه العذبة. وأحد تلك البحور الزاخرة التي ليس لها ساحل هو وادي
النيل وكرسي الفراعنة الذي صار حقيقا بأن يدعى في عصرنا هذا بعرش الحكمة،
وأي دليل على ما نقوله أقوى من وجود منبع الفضل العلامة الأوحد مولانا الأستاذ
الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية _ متعنا الله بطول حياته - في الجامع
الأزهر في القاهرة.
(الجامع الأزهر هو مدرسة تحتوي على آلاف من الطلبة مشغولين فيه
بتحصيل العلوم) ، وقبل هذا كثيرا ما تكلمنا عن الجرائد والمجلات المصرية،
وإننا نكرر الحديث فيها حتى لا نكون مدينين بشيء لشرح هذا المطلب المهم، ولا
يفوتنا مستحب مؤكد بل فريضة لازمة.
في هذا الأسبوع وردت على إداره التربية (مجلة المنار) ففاز رواد المعارف
الذين هم في حوزتنا الصغيرة من مطالعة تلك المجلة بأكبر المنافع، وبها عرفنا منزلة
صاحبها سيد الفضلاء الأستاذ الألمعي السيد محمد رشيد رضا ومقدار ما عليه
حضرته من الفضل والأدب.
أقول: لم يبق في هذا العصر للأمة المصرية شيء يمنعها من بلوغ مقاصدها
السامية فإن أسباب الكمال مجموعة لديها فكاتبها مثل السيد ومحررو أخبارها من
ذكرنا قبل ومرشدها فيلسوف مثل فضيلة الشيخ الأجل محمد عبده (شكر الله
مساعيه) ، ودار كتبها الشهيرة (الكتبخانه الخديوية) لا يحيط بها الوصف. فإذا لم
يصل أولئك القوم إلى أقصى درجات العلم والحكمة فلا أدري من أي جهة يكون
التقصير، وما هو السبب فيه؟
المنار مجلة علمية أدبية تهذيبية ملية وفيها أخبار متنوعة تصدر في غرة كل شهر وفي السادس عشر منه هي جنس يجب أن يشرى بالروح. ومن زينة الحياة
الدنيا أن هذه المجلة الواحدة تكفي وتغني. إن ما يسطر فيها يمزج بماء الحياة
ويشرب فهو ينقذ من مخالب الاستسقاء المهلك، ويحي الروح وينجي من الموت ولم
يؤلف كتابا ولا رسالة أحسن من مجلة المنار؛ لأجل الوصول إلى الحقيقة ومزايا
الإسلام، ولو أن ابن خلدون الحضرمي كان حيا لعلم ما أقوله وأثبته.
في كل مقالة من هذه المجلة الغراء أثر من طيب ريحانة الفاضل الخبير،