تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأنبياء فقد جوز علماء أهل السنة أن يقع فيه الخطأ ولكن لا يقرون عليه، بل يأتيهم

الوحي بيان الحق إليه كما في واقعة أسرى بدر. وأما ما يقولونه عن وحي من الله

فيجب الأخذ به، ويفرق المسلمون بين القرآن وبين الوحي الذي يعبر عنه النبي

بعبارة من عنده، ويسمى عند المسلمين خبرا وحديثا بما تقدم، وبأنه إذا وقع تعارض

بينهما ولم يمكن الجمع بعمل بالقرآن دون الحديث. فالحديث الصحيح في المرتبة

الثانية لا يمكن أن يساوي القرآن ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا عندما

أرسله إلى اليمن بماذا يحكم، فقال: بكتاب الله وأنه إذا لم يجد يحكم بالسنة، فأجازه

على ذلك. وهذا هو المروي عن أبي بكر وعمر وغيرهم من أئمة الدين أي: إنهم

ينظرون في القرآن أولا فإن رأوا فيه حكم ما يطلبون قضوا به وإلا بحثوا في السنة

وعملوا بها. فلينظر المسلمون كيف يخترع المسيحيون لهم أصولا للدين، ويبنون

عليها رميهم بالشرك المبين، فهذا هو تعصيبهم وهذا تساهلنا والحمد لله رب

العالمين.

قال: (الثالث ذكر اسم محمد مع اسم الله في مواضع جمة من القرآن نظير

شريك له في الأمر والنهي والحل والربط ووجوب الطاعة له والمحبة) إلخ، وقال

الكاتب إنه لا يذكر الشواهد إلا من سورة التوبة وحدها ولكنه ذكر ثلاث آيات: اثنتان

منهما من التوبة والثالثة من الأحزاب. وقد حرف الآيتين مع وضعهما بين علامات

تدل على أنه نقلهما بنصهما فكتب (إن الله بريء مما يشركون ورسوله) والله

تعالى يقول: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (التوبة: 3) وكتب (وما

كان لمؤمن أو مؤمنة) إلخ، والله تعالى يقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا

قضى الله ورسوله أمرا} (الأحزاب: 36) الآية. أما الجواب عن الشبهة فهو

واضح وهو أن أحكام الله تعالى إنما تؤخذ عن رسوله، فكل ما يقضي به الرسول من

أمر الدين فهو مبلغ له عن الله تعالى ويصح إسناده إليه كما يصح إسناد الحوادث

الطبيعية إلى أسبابها؛ لأن الله تعالى جعلها مرتبطة بها ولا يسمى شيء من هذا

شركا. وكأني بالكاتب يقول: إن دينه يحكم بشرك من يقول: (ينبغي للإنسان أن

يستحي من الله ومن الناس) ونحو هذا؛ لأنه قرن اسم الناس باسم الله في حكم

واحد.

فلينظر المسلمون إلى ثقة دعاة النصرانية في النقل وليقابلوا بين ما ذكر من

التحريف في الآيات والخطأ في العزو إلى السورة وبين ما وقع لنا مع أحد كبار

العلماء وهو أنه نبهنا إلى وجوب التنبيه على غلطة وقعت في المنار نقلا عن

الإنجيل وهي (لم تجربونني) وقد حذف نون الوقاية من الفعل بالطبع فطبعت

(تجربوني) . وليتأمل المنصفون في نقلنا عن القوم ونقلهم عنا للتمييز بين

الصادقين والكاذبين، والتزييل بين المتساهلين والمتعصبين، والحمد لله رب

العالمين.

قال: (الرابع اتخاذ المسلمين محمدا سيدا لهم) ثم استنبط من هذا أن

المسلمين يعتقدون بأنهم عبيد لمحمد وقال: إن هذا هو الشرك الذي عناه. وجوابه

أن المسلمين لم يوجبوا أن يقول أحد عند ذكر النبي كلمة (سيدنا) ولم يرد الأمر

بوصفه عليه الصلاة بذلك في الكتاب ولا في السنة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن

إضافة لفظ (سيدنا) على صيغ الصلاة الملحقة بالتشهد مكروهة، وقال بعضهم

إنها مستحبة؛ لأن هذا اللقب من ألقاب التكريم التي اعتادها الناس مع الكبراء ومع

الأقران.

وأما استدلال الكاتب على هذه السيادة التي تستتبع الشرك عنده بآية {إن الله

وملائكته يصلون على النبي} (الأحزاب: 56) فهو غريب؛ لأن الصلاة من الله

الرحمة، ومن غير الله الدعاء كما صرح بذلك العلماء. فلو كان كل من تطلب له

الرحمة إلها لنا وكل من نخاطبه بلقب السيادة إلها لنا؛ لكان لنا وللكاتب آلهة لا

تحصى‍‍‍! ! ! نعم إن المسلمين يعتقدون أن محمدا أفضل بني آدم وسيدهم ولكنهم

ليسوا عبيدا له. أما وجه تفضيله فهو ظاهر بأثره وقد كتبنا فيه وسنكتب أيضا إن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٥٩