تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالقديم، والحرص على ما ورثوا عن آبائهم الأقربين، وإقامة الحرب على كل من

حاول أن يزحزحهم أصبعا عما كان عليه سلفهم، وإن كان في البقاء عليه تلفهم،

وما عليه الحال اليوم في حكومة المغرب من الغلو في التعصب والمعاقبة بقطع

بعض الأعضاء في شرب الدخان أو بالقتل في كلمة ينكرها السامعون، وإن أجمع

عليها المسلمون الآخرون.

ثم ألا يتخيل المؤمل أنه يسمع من جوف المستقبل صخبا ولجبا وضوضاء

وجلبة، وهيعات مضطربة، إذا قيل إنه ينبغي لطلبة الأزهر أن يدرسوا طرفا من

مبادئ الطبيعة أو يحصلوا جملة من التاريخ الطبيعي؟ ألا تقوم قيامة المتقين، ألا

يصيحون أكتعين أبتعين: هذا عدوان على الدين، هذا توهين لعقده المتين، هذا

تغرير بأهله المساكين، ولا يزالون يشيرون بهذا إلى أن لا يبقى شيء عرف له

اسم في اللغة إلا ألصقوه بهذه البدعة في زعمهم.

هل هذه الحال جديدة على المسلمين حتى يقال: إنها عارض عرض عليهم،

أو مرض من الأمراض الوافدة إليهم؟ لا يسهل على من يعرض أحوال المسلمين

تحت نظره من قرون متعددة أن يظن أن هذه الحال من العلل الطارئة على أمزجة

الأمم خصوصا عندما يجد الوحدة في الصفات، والشمول في جميع الاعتبارات،

فلو أخذ مسلما من شاطئ الأطلانطيق وآخر من تحت جدار الصين لوجد كلمة

واحدة تخرج من أفواههما وهي: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على

آثارهم مهتدون} (الزخرف: 22) ، وكلهم أعداء لكل مخالف لما هم عليه وإن

نطق به الكتاب واجتمعت عليه الآثار. اللهم إلا فئة قليلة زعمت أنها نفضت غبار

التقليد وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون

الأحاديث لتفهم أحكام الله منها. ولكن هذه الفئة أضيق عطنا وأحرج صدرا من

المقلدين وإن أنكرت كثيرا من البدع ونحت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس

منه. فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد، والتقيد به بدون التفات إلى ما

تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة،

فلم يكونوا للعلم أولياء، ولا للمدينة السليمة أحباء.

هل يمكن أن ينكر أحد جمود الفقهاء ووقوفهم عند عبارات المصنفين على

تباينها واختلافها واضطراب الآراء في فهمها، وإذا عرضت حادثة من الحوادث ولم

يكن لمصنف معروف رأي فيها أحجموا عن إبداء الرأي واجتهدوا في تحويلها عن

حقيقتها إلى أن تتفق مع قول معروف في كتاب من الكتب حتى لقد جاء طالب علم

من بلد من بلاد الدولة العثمانية وأراد الالتحاق بأحد الأروقة في الجامع الأزهر فوقع

الشكل هل بلده مما لأهله استحقاق في ذلك الرواق على حسب نص الواقف؟ فقال

قائل لشيخ الرواق: إن كتب تقويم البلدان تشهد بأن البلد داخل في شرط الواقف

فقال: إنني لا أقنع بما في تلك الكتب وإنما الذي يصح أن آخذ به هو أن يكون فقيه

(ممن مات) قال: إن هذه البلد من قطر كذا وهو الذي وقف الواقف على أهله.

وإذا قيل لأحدهم: إن الأئمة أنفسهم لم يعينوا مواقع البلدان ولم يضعوا لنا جدولا

لبيان ما يحويه كل قطر وبيان الحدود التي ينتهي إليها، وإن أصول ديننا تسمح لنا

بأن نأخذ بأقوال العلماء في هذه الفنون (وهم منا) وبتواتر الأخبار وما أشبه ذلك

من البديهيات قال: إنما أريد نصا فقهيا، لا دليلا عقليا.

وإذا قيل لهم: اختلت الشئون، وفسدت الملكات والظنون، وساءت أعمال

الناس، وضلت عقائدهم، وخوت عباداتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم

على بعض بالشر، وغالت أكثرهم أغوال الفقر، فتضعضعت القوة، واخترق

السياج، وضاعت البيضة، وانقلبت العزة ذلة، والهداية ضلة، وساكنتكم الحاجة،

وألفتكم الضرورة، ولا تزالون تألمون مما نزل بكم وبالناس، فهلا نبهكم ذلك إلى

البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم علل ما صرتم وصار الناس إليه - قالوا:

ذلك ليس إلينا، ولا فرضه الله علينا، وإنما هو للحكام ينظرون فيه، ويبحثون عن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٤٥