تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفلا يكون هذا الفصل قاضيا بتنازع السلطتين وطلب كل واحدة منهما التغلب على

الأخرى فيمن تحت رعايتهما معا؟ وهل يسهل على السلطة الدينية أن تدع رعاياها

تتصرف في أبدانهم وأموالهم بل وفي عقولهم أيدي الملوك بما تقتضيه مصالح الملك

الفاني إذا كان ذلك التصرف مخالفا لما جاء في كنز المعارف وهو الكتب السماوية

وتأويل الرؤساء الروحيين وسنتهم فإذا همت هذه السلطة بالمعارضة أفتصبر

الأخرى؟ هذا هو الذي وقع في العالم المسيحي منذ ظهرت سلطة الدين.

كيف يتسنى للسلطة المدنية أن تتغلب على السلطة الدينية وتقف بها عند حدها

والسلطة الدينية إنما تستمد حكمها من الله ثم تمد نفوذها بتلك القوة إلى أعماق قلوب

الناس وتديرها كيف تشاء والملك لا قوة له إلا بأولئك الناس المغلوبين للسلطة

الدينية؟ لا يتأتى للملك أن يغالب تلك القوة إلا بعد أن يتناول من الوسائل ما لا يعد

لإضعاف سلطتها، نعم هذا الفصل يسهل التسامح لو كانت الأبدان يحكمها الملك

يمكنها أن تأتي أعمالها على حدة مستقلة عن الأرواح التي تحيا بها والأرواح كذلك

تأتي أعمالها بدون الأبدان التي تحمل قواها.

ثم هل هذا هو معنى قول الإنجيل؟ القصة على ما جاء في الإنجيل أن بعض

المرائين أراد أن يتسقط المسيح ليأخذ عليه ما ينم به فسأله: أيجوز أن نعطي جزية

لقيصر؟ فأجاب لم تجربوني ائتوني بدينار لأنظر إليه، فأتوه بدينار فقال: لمن

هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له لقيصر، فقال: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله

فمعناه الظاهر من سياق القصة أن صاحب السكة التي تتعاملون بها إذا ضرب

عليكم أن تدفعوا منها شيئا فادفعوه له، أما قلوبكم وعقولكم وجميع ما هو من الله

وعليه طابع صنعته فلا تعطوا منه لقيصر شيئا، والعلم ليس مما عليه طابع قيصر

بل عليه طابع الله، فلا يمكن أن يكون العلم تحت سلطة غير السلطة الروحانية

الدينية، فأي تسامح مع العلم في هذا.

* * *

(اعتقاد المسلمين في المسيح والمسيحية)

هذا الذي عرضناه من طبيعة الدين المسيحي وأوردناه من مشاربه فيما بعد

نشأته وما وقع من حوادث مع طلاب العلم ورواد المعارف في كل زمن إلى ما

يقرب من أيامنا هذه كل ذلك مأخوذة من تاريخهم الذي كتبوه عن أنفسهم ومن

نصوص كتبهم الدينية التي يتوكأون عليها فيما ذكرنا من سيرتم وأعمالهم.

أما رأيي ورأي أهل العقيدة الصحيحة من المسلمين في المسيح عليه السلام

ودينه فهو على غير ما رآه القارئ، إنا نعتقد أن المسيح روح الله وكلمته ورسوله

إلى بني إسرائيل بعث مصدقا لما بين يديه من التوراة وجاءهم من الدين بما فيه هدى

لهم ورشاد في شئون معاشهم ومعادهم ولم يطالبهم بتعطيل قوة من قواهم التي وهبهم

الله تعالى إياها بل طالبهم بشكر الله تعالى عليها ولا يشكر حق الشكر إلا باستعمالها

جميعها فيما أعدها الله له.

والعقل من أجل القوى بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها والكون جميعه هو

صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه، وكل ما يقرأ فيه فهو هداية إلى الله وسبيل

للوصول إليه، وكل ما صح عندنا عن السيد المسيح لا يخالف شيء منه هذا الذي

نعتقد، فإن صح عنه شيء يكون في ظاهره مخالفة لهذه الأصول أمكننا تأويله حتى

يرجع معناه إليها أووكلنا الأمر فيه إلى الله وقلنا (لا علم لنا إلا ما علمتنا) ؟

الدين دين الله وهو دين واحد في الأولين والآخرين لا تختلف إلا صوره

ومظاهره، وأما روحه وحقيقة ما طولب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء

والمرسلين فهو لا يتغير - إيمان بالله وحده وإخلاص له في العبادة ومعاونة الناس

بعضهم لبعض في الخير وكف أذاهم بعضهم عن بعض ما قدروا، وهذا لا ينافي

الارتقاء في الدين بارتقاء عقول البشر واستعدادهم لكمال الهداية، ونعتقد أن دين

الإسلام جاء ليجمع البشر كلهم على هذه الأصول، ومن أهم وظائفه إزالة الخلاف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢١١