تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* * *

(البروتستانت أو الإصلاح)

ربما يقول قائل: إن هذا الذي ذكرت هو عمل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية

ولكن قد قام في المسيحية مصلحون يرون إرجاع الدين إلى أصل الكتب المقدسة

ويبيحون لعامة أهل الدين أن ينظروا فيها ويفهموها وقد رفعوا تلك السيطرة عن

الضمائر والعقول، ومن عهد ظهور الإصلاح والرجوع إلى أصول الدين الأولى

بزغت شمس العلم بالمغرب وبسط للعلم بساط التسامح، وذلك لا يمكن أن يكون إلا

جريا مع طبيعة الدين.

لا أذكر في الجواب عن ذلك إلا ما ذكر البروتستانت أنفسهم في تاريخ

الإصلاح: استمرت عقوبة الموت قانونا يحكم به على كل من يخالف معتقد الطائفة

وقد أمر كلفان [1] بإحراق سيرفيت في جنيف؛ لأنه كان يعتقد أن الدين المسيحي كان

قد دخل عليه شيء من الابتداع قبل مجمع نيقة، وكان يقول: إن روح القدس

ينعش الطبيعة بأسرها، فكان جزاؤه على هذا أن شوي على النار حتى مات وهكذا

أحرق فايتي في تموز سنة 1629.

كان لوتير أشد الناس إنكارا على من ينظر في فلسفة أرسطو وكان ذلك

المصلح يلقب هذا الفيلسوف بالخنزير الدنس الكذاب، ونحو ذلك من الألقاب التي لا

بأس بها إذا صدرت من أهل الغيرة على الدين في طريق الدفاع عنه! ! وكان

كلفان أقل شتما للفيلسوف من لوتير لكنه لم يكن أحسن ظنا به ولا أوسع صدرا لمن

يطلع على شيء من كتبه، وكان علماء المسلمين يلقبون هذا الفيلسوف (المعلم

الأول) فتأمل الفرق بين الفريقين! !

قالوا: البرتستانت قاموا يطالبون بالحرية في فهم الكتب المقدسة وبإبطال

السلطة على غفران الذنوب والتجارة ببيع الثواب والسعادة الأخروية وإبطال عبادة

الصور، ولكنهم لم يغيروا شيئا من الاعتقاد بأن الكتب المقدسة هي نبراس الهداية في

طريق العلم البشري كما أنها منبع نور الإيمان بالدين الإلهي، وأنه لا يباح للعقل أن

ينساق في نظره إلى ما يخالف شيئا مما حوته وأنه لا حاجة إلى شيء من العلم

وراء ما ورد فيها، وبالجملة إنهم لم يبطلوا أصلا من الأصول الستة التي تقدمت إلا

أنهم قالوا بمنع غلو الرؤساء في سلطتهم المبنية على الأصل الثاني في سابق قولنا.

قالوا: ولهذا لم يكن مذهب الإصلاح أخف وطأة على العلم ولا أفضل معاملة

له من الكاثوليك؛ لأن كلا المذهبين يرجع إلى طبيعة واحدة (وهي القائمة على

الأصول الستة) ولم يكن لأهل النظر العقلي جزاء في كلا الملتين إلا القتل وسفك

الدم.

لو كنت ممن يحب الجدال في الدين لعددت فيما ذكرته من عناصر الدين

المسيحي ما تضمنه قول بعض الناقدين عند الكلام على الحروب المسيحية

واضطهادات الكنيسة (ما أهون الدم على من يمثل في عبادته أكل الدم وعلى من

يعتقد أن خلاص العالم الإنساني من الخطيئة إنما كان بسفك الدم البريء على يد

المعتدي الأثيم) لكني في بحثي هذا لا أريد أن أستعمل قوة الخيال، ولا أن أذكر ما

يعد من قبيل الجدال، وإنما آتي بما هو حكاية حال، ليس للناظر فيها مقال.

* * *

(الفصل بين السلطتين في المسيحية)

بقي علينا الكلام فيما جعلته الجامعة أساسا للفصل بين السلطتين الدينية

والملكية وبه كانت طبيعة الدين المسيحي أدعى إلى التسامح مع العلم في نظرها،

لو سلمنا أن في تلك العبارة معنى الفصل كما قالت الجامعة، وقال كثير غيرها ممن

أرادوا مقاومة السلطة الدينية فماذا يفيد الفصل إذا كان دين الملك نفسه يقضي عليه

بمعاداة العلم؟ أفلا يغلب اعتقاد الملك وما يملك نفسه مما فيه نجاته الروحية على

مطالب الملك؟ وكم من ملك جعل مصالح مملكته قربانا لسلطان عقيدته، هب أن

مصالح الملك تكون دائما أغلب على النفس من حكم العقيدة وقاهر الإيمان والوجدان

وقد أقام الدين سلطتين منفصلتين: إحداهما تحل وتربط في الأرض وفي السماء فيما

هو من خاصة الدين والأخرى تحل وتربط في الأرض فيما هو من خصائص الدنيا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢١٠