تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين المحض. وإنما الذكر كل الذكر لما كان بين المسيحية وما جاورها من الملل

الأخرى من الحروب الدينية للحمل على العقيدة بما كان يعتقد المسيحيون، وما كان

يقع بني ملوك أوربا من التسافك في الدماء بإغراء رؤساء الكنيسة، وأمر ذلك

معروف عند من له إلمام بالتاريخ وليس من موضوعنا الكلام فيه.

ولكن أرى شبه نزاع بين العلم والدين ظهر في أوربا بعد ظهور الإسلام

واستقرار سلطانه في بلاد الأندلس واحتكاك الأوربيين بالمسلمين في الحروب

الصليبية.

رجع الآلاف من الغزاة الصليبيين إلى بلادهم وحملوا إلى الناس أخبارا

تناقض ما كان ينشره دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة من أن المسلمين جماعة من

الوثنيين غلبوا على الأرض المقدسة وأجلوا عنها دين التوحيد ونفوا منها كل فضيلة

وإخلاص، وهم وحوش ضارية وحيوانات مفترسة، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم

قضوا على قومهم أن أعدائهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة ذوي ود ووفاء وفضل

مجاملة.

ثم كان الخليفة الحكم الثاني جعل من بلاد الأندلس فردوسا كما قال الفيلسوف

الأميركاني، وكان اليهود والنصارى يتلاقون في تلك البلاد تحت ظلال الأمن

والحرية، قال بطرس المحترم الشهير: إنه رأى كثيرا من العلماء يأتون إلى تلك

البلاد لتلقي العلوم الفلكية حتى من بلاد إنكلترا وأولئك الذين يسعون إلى طلب العلوم

من أي بلاد جاءوا كانوا يجدون فيها رحبا وسعة وكان قصر الخليفة يشبه أن يكون

مصنعا للكتب نسخ وتذهيب وتجليد، إلخ ما قال.

ثم انتشرت صناعة الورق التي اخترعها العرب ثم اكتشفت المطبعة وسهل

على الناس أن ينشروا آرائهم بعد أن تنبهت أفكارهم بما جلب إليهم رسل العلم الذين

حملوه إليهم عن أهالي أسبانيا ومن حملوه مما جاورهم ثم انساب إلى العقول شيء

مما سماه الأوربيون فلسفة ابن رشد، عند ذلك اهتمت المسيحية بالأمر وأخذت

تحارب كل ما يظهر على ألسنة الناس أو يرد على أسماعهم مما يخالف ما في

الكتب المقدسة وتقاليد الكنيسة.

قال دي رومنيس: إن قوس قزح ليست قوسا حربية بيد الله ينتقم بها من عباده

إذا أراد بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء. فجلب إلى روما وحبس

حتى مات ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها ألقيت في النار، وقيل في علة الحكم:

إنه أراد الصلح بين كنيستى روما وإنكلترا، وأي ذنب أعظم من هذا الصلح؟ هو

أضخم بلا ريب من ذنب القول بأن قوس قزح من انعكاس ضوء الشمس في نقط

الماء.

* * *

(مراقبة المطبوعات ومحكمة التفتيتش)

أنشئت المراقبة على المطبوعات وحتم على كل مؤلف وكل طابع أن يعرض

مؤلفه أو ما يريد طبعه على القسيس أو المجلس الذي عين للمراقبة وصدرت أحكام

المجمع المقدس بحرمان من يطبع شيئا لم يعرض على المراقب أو ينشر شيئا لم

يأذن المراقب بنشره، وأوعز إلى هذا المراقب أن يدقق النظر حتى لا ينشر ما فيه

شيء يومئ إلى مخالفة العقيدة الكاثوليكية ووضعت غرامات ثقيلة على أرباب

المطابع يعاقبون بها فوق الحرمان من الكنيسة (كأن الحكومة العثمانية على ما

تنشر بعض الجرائد أخذت نسخة من قرار المجمع المقدس لتجري عليه مراقبة

المطبوعات ولكن للسياسة لا للدين) أنشئت محكمة التفتيش لمقاومة العلم والفلسفة

عند ما خيف ظهورهما بسعي تلامذة ابن رشد خصوصا في جنوب فرنسا وإيطاليا

أنشئت هذه المحكمة الغربية بطلب الراهب توركماندا.

قامت المحكمة بأعمالها حق القيام ففي مدة ثماني عشرة سنة - من سنة

1481 إلى سنة 1499 حكمت على عشرة آلاف ومئتين وعشرين شخصا بأن

يحرقوا وهم أحياء فأحرقوا وعلى ستة آلاف وثمانمائة وستين بالشنق بعد التشهير

فشهروا وشنقوا، وعلى سبعة وتسعين ألفا وثلاثة وعشرين شخصا بعقوبات مختلفة

فنفذت ثم أحرقت كل توراة بالعبرية.

ماذا كانت وسائل التحقيق عند هذه المحكمة المقدسة؟ وسيلة واحدة هي أن

يحبس المتهم وتجرى عليه أنواع العذاب المختلفة بآلات التعذيب المتنوعة إلى أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠٧