تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة إلى الصلاح وتقرير الإيمان على وجه ظاهر وبقي غير القسيسين في جهالة

حتى بأمور الدين وحقائقه وأسراره، ظهرت ذات الذنب التي تنسب إلى هالي في

سنة 1682 فاضطربت لظهورها أوربا ولجأوا إلى البابا واستجاروا به فأجارهم

وطردها من الجو فولت في الفضاء مذعورة من لعنته ولم تعد إلا بعد خمس وسبعين

سنة! !

لم يكن يسمح لأحد أن يبدي رأيا يخالف صريح ما في الكتاب وعندما أظهر

بلاج رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم أي إن الحيوانات كان يدركها الموت

قبل أن يحظى آدم بالأكل من الشجرة قام لذلك ضوضاء وارتفعت جلبة وانتهى

الجدال والجلاد إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد بذلك، يقول

المؤرخ: وهكذا عد الاعتقاد بأن الموت كان يزور الأحياء قبل آدم جريمة على

الملك.

أحرقت كتب البطالسة والمصريين بالإسكندرية على عهد جول قيصر ثم إن

تيوفيل بطريرك الإسكندرية انتحل أدنى الأسباب لإثارة ثورة في المدينة لإتلاف ما

تبقى في مكتبة البطالسة بعضه بالإحراق وبعضه بالتبديد، قال أوروسيوس المؤرخ:

إنه رأى أدراج المكتبة خالية من الكتب بعد أن نال تيوفيل الأمر الإمبراطوري

بإتلافها بنحو عشرين سنة.

ثم جاء بعد تيوفيل ابن أخته سيريل، وكان خطيبا مفوها له على الشعب سلطان

بفصاحته، وكان في الإسكندرية بنت تسمى هيباتي الرياضية تشغل بالعلوم والفلسفة

وكان يجتمع إليها كثير من أهل النظر في العلوم الرياضية، وكان لا يخلو مجلسها

من البحث في أمور أخر خصوصا في هذه المسائل الثلاث: (من أنا، وإلى

أين أذهب، وماذا يمكنني أن أعلم) .

فلم يحتمل ذلك القديس سيريل مع أن البنت لم تكن مسيحية بل كانت على دين

آبائها المصريين فأخذ يثير الشغب عليها حتى قعدوا لها وقبضوا عليها في الطريق

وهي سائرة إلى دار ندوتها وجردوها من ثيابها وأخذوها إلى الكنيسة مكشوفة العورة

وقتلوها هناك ثم قطع جسمها وجرد اللحم عن العظم وما بقي منها ألقي في النار،

يقول المؤرخ راوي هذه القصة: ولم يسأل سيريل عما صنع بهيباتي ولم تنظر

الحكومة الرومانية فيما وقع عليها، ولعل ذلك كان أول ما تقررت تلك القاعدة:

(الغاية تشفع للوسيلة) .

ما من عقيدة ظهرت في المسيحية وأريد تقريرها من فريق ونازع فيها فريق

إلا وقد سالت لها الدماء فليراجع التاريخ لتتمثل أرض مصر مصبوغة بدماء

المسيحيين من فريقين مختلفين عندما أريد تقرير عبادة العذراء واتخاذها لله أما.

وكان ذلك في طبيعة الدين: أن من لم يتبع المسيح فهو هالك والهالك لا يستحق

الحياة، ألم تر في الإصحاح الخامس من الأعمال إلى قصة الرجل الذي باع جميع

ما عنده وعندما جاء إلى بطرس أعطاه الثمن وادخر لنفسه شيئا أخفاه عنه فاطلع

بطرس على حقيقة الأمر ووبخ الرجل وتصرف فيه بسلب حياته من طريق

المعجزة ثم جاء امرأته وكان لها اطلاع على ما أخفى زوجها ولم تنهه فوبخها

بطرس وأخبرها بموت زوجها فماتت هي أيضا. فإذا كان الله يسلب الحياة جزاء

على اختلاس الرجل شيئا من مال نفسه لم يقدمه هدية للرسل فكيف تكون الحياة من

حقه إذا خالف خلفاء الله في الأرض ونابذهم فيما يعتقدون.

قال البابا أنوسان الثالث عند الكلام في مصادرة الذين يخالفون العقيدة

الكاثوليكية: (لا يجوز أن يترك لأولاد الجاحدين سوى الحياة وترك الحياة لهم من

وإحسان) فلم يقصر الجزاء على الجاحدين ولكن عداه إلى أولادهم وعد ترك الحياة

لأولادهم يتمتعون بها ضربا من الإحسان عليهم؛ لأنه لا حق لهم في أن يعيشوا وقد

جحد آباؤهم.

* * *

(مقاومة النصرانية للعلم)

لا أجد في التاريخ ذكرا للعلم والفلسفة بعد ظهور المسيحية في مظهر القوة

لعهد قسطنطين وما بعده إلا في أثناء المنازعات الدينية التي كان يفصل فيها تارة

بسلطان الملوك وأخرى بجمع المجامع وثالثة بسفك الدماء فتخمد شعلة العلم وينتصر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠٦