تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسيحيين من جزويت وفرير وأميركان وهي مدارس دينية، خصوصا مدارس

الجزويت، فهل يمكنني أن أجد طالبا واحدا مسيحيا في مدرسة دينية إسلامية يباح

الدخول فيها لكل طالب علم من أي ملة؟ لا نجد إلا قليلا منهم في مدارس الحكومة

لعلمهم أنها مدارس رسمية لم يقم بناء تعليمها على الدين، فهل سمع أن والدا

اضطهد لأنه بعث بولده إلى مدرسة مسيحية يديرها قسوس مسيحيون؟ ألا يعد

هذا من تسامح الإسلام مع العلم اليوم؟

لولا أن موضوع كلامي محدود باعتبار التسامح بالنسبة إلى العلم والفلسفة

وحدهما لذكرت لصاحب الجامعة أنه يوجد في بلاده طائفتان تعد إحداهما بالألوف

وتزعم كل منهما أن لها نسبة إلى الإسلام وهي تعتقد بما لا ينطبق على أصل من

أصوله حتى أصل التوحيد والتنزيه عن الحلول ولا تقول بفرض من فروضه

المعلومة منه بالضرورة، وأجمع فقهاء الأمة على أنهما من قبيل المرتدين والزنادقة

لا تؤكل ذبائح أفرادهما، ولا يباح لهم أن يتزوجوا من المسلمات، وإنما اختلفوا في

قبول توبة من تاب منهم، ومن العلماء من قال لا تقبل توبته، وهم مع ذلك

عائشون بجوار المسلمين ومضى عليهم ما يزيد على تسعمائة سنة وقد كانوا تحت

سلطان المسلمين والإسلام في أوج القوة، دخلوا في حكم الأتراك وهم أيام كان ملك

فرنسا يستنجد بملكهم وكانت عساكرهم على أسوار فيينا، كان أولئك الذين يراهم

المسلمون قد خرجوا من دينهم وأسروا عقيدة تناقض عقيدتهم قد ظهروا بأعمال

تضاهي أعمالهم وهم جيرانهم وتحت أيديهم وفي مكنتهم محوهم، ومع ذلك عاشوا إلى

اليوم ولهم أحبة وأصدقاء بين المسلمين، وللمسلمين بينهم مصافون وأوداء، فهل عهد

مثل ذلك عن المسيحيين؟

غير أن موضوع قولي محدود كما قلت فلا أخرج عنه وأراني أضفت فيه

بكلمتي المجملة، ولكن لا يكفي لبيان ما عرضت به الجامعة في قولها (هل يجب

أن يكون التسامح مع القريب فقط أو مع القريب والغريب إلخ) ولا لتحقيق الحق

فيما حكمت به في حكمها إلا تفصيل تعرض فيه حالة الدينين مع العلم تحت نظر

القارئ على وجه يمكن معه الحكم عن فهم، ولا تلتبس فيه الحقيقة بالوهم.

* * *

(الجواب التفصيلي)

أرى الجامعة جاءت في كلامها بأربعة أمور آتي بها على حسب ترتيب النسق

في تعبيرها.

(الأول) : أن المسلمين قد تسامحوا لأهل النظر منهم ولم يتسامحوا لمثلهم

من أرباب الأديان الأخرى.

(الثاني) : أن من الطوائف الإسلامية طوائف قد اقتتلت بسبب الاعتقادات

الدينية.

(الثالث) : أن طبيعة الدين الإسلامي تأبى التسامح مع العلم وطبيعة الدين

المسيحي تيسر لأهله التسامح مع العلم.

(الرابع) : أن إيناع ثمرالمدنية الحديثة إنما تمتع به الأوربيون ببركة

التسامح الديني المسيحي؛ فلا بد لي من الكلام على كل واحد من هذه الأمور

الأربعة، وأبتدئ منها بالثاني لقلة الكلام عليه.

* * *

(نفي القتال بين المسلمين لأجل الاعتقاد)

لم يسمع في تاريخ المسلمين بقتال وقع بين السلفيين (الآخذين بعقيدة السلف)

والأشاعرة مع الاختلاف العظيم بينهما، ولا بين هذين الفريقين من أهل السنة

والمعتزلة مع شدة التباين بين عقائد أهل الاعتزال وعقائد أهل السنة سلفيين وأشاعرة

كما لم يسمع بأن الفلاسفة الإسلاميين تألفت لهم طائفة وقع الحرب بينها وبين

غيرها، نعم سمع بحروب تعرف بحروب الخوارج كما وقع من القرامطة وغيرهم

وهذه الحروب لم يكن مثيرها الخلاف في العقائد، وإنما أشعلتها الآراء السياسية في

طريقة حكم الأمة، ولم يقتتل هؤلاء مع الخلفاء لأجل أن ينصروا عقيدة ولكن لأجل

أن يغيروا شكل حكومة، وما كان من حرب بين الأمويين والهاشميين فهو حرب

على الخلافة وهي بالسياسة أشبه بل هي أصل السياسة.

نعم وقعت حروب في الأزمنة الأخيرة تشبه أن تكون لأجل العقيدة وهي ما

وقع بين دولة إيران والحكومة العثمانية وبين الحكومة العثمانية والوهابيين ولكن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٩٩